الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

344

نفحات القرآن

المتقين ستهديهم إلى مراحل ارفع واسمى بالاستعانة بهداية القرآن . وتوجد تعبيرات في القرآن تشبه ما جاء في الآية السابقة ، مثلما جاء في الآية : « وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ » . ( الحاقة / 48 ) فعدت الآية الأولى القرآن « هدى » للمتقين وسبباً لهدايتهم ، والثانية « تذكرة » لهم ، ونعلم أنّ « التذكر » من مقدّمات « الهداية » ، ولهذا عندما وصل عدد من المفسرين إلى هذه الآية أرجعوا الحديث فيها إلى نفس الحديث في بداية سورة البقرة . وعلى أيّة حال ، فإنّ هذه الآيات شاهد ناطق على دور التقوى كممهّد للمعرفة والهداية . ج‌ج وقد وضحت الآية الثانية علاقة التقوى بالمعرفة توضيحاً أكثر من الآية السابقة وصرحت : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا انْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَاناً » . إنَّ « الفرقان » - كما يقول بعض أئمة اللغة - : ( اسم مصدر ) ، وادعى بعض آخر ( مصدر ) إلّاأنّ أغلب المفسرين يصرحون بأن له - في موارد كهذا المورد - معنى فاعلياً مقروناً بالتأكيد ( أشبه ما يكون بمفهوم صيغة المبالغة ) ، ومعناه الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل ، وله مفهوم واسع يشمل القرآن المجيد ومعجزات الأنبياء والأدلة العقلية الواضحة وشرح الصدر والتوفيق والنورانية الباطنية وغير ذلك « 1 » . وبهذا ، فالقرآن يقول بأنّ « التقوى » هي الأرضية التي تعد للمعرفة والتي يمكن الاستدلال بها تماماً في بعض المراحل ، وتنطوي في المراحل الأخرى ضمن الامدادات الإلهيّة المعنوية . سمى القرآن المجيد يوم معركة بدر « يوم الفرقان » ، وذلك من حيث إنّه يوم شهد آيات اللَّه البارزة تؤيد جند الإسلام ضد جند الشرك ، فبالرغم من عِدَّة وعدد المشركين الذي يقدر بثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، تحملوا ضربات قاسية من المسلمين لم يتوقعها أحد .

--> ( 1 ) . راجع المفردات ، وكتاب العين ، ولسان العرب ، ومجمع البحرين ، والميزان ، والكشاف في ذيل الآية نفسها .