الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

319

نفحات القرآن

جَنَوا ثمار مثل هذه الاستعراضات ولا يزالون ، وإنَّ العلماء والمفكرين الراسخين هم فقط القادرون على رفع هذه الحجب عن أفكارهم وأفكار غيرهم ، وتبيان الوجوه الحقيقية لهؤلاء الجبابرة . ج‌ج وقد بينت الآية الثالثة جانباً من جوانب مقارعة موسى للسحرة ، الذين دعاهم فرعون من جميع أرجاء مصر وأغراهم بالكثير من الوعود ، والذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف من السحرة طبقاً لبعض الروايات ، وبخمسة عشر الف ساحر طبقاً لرواياتٍ أخرى ( يحتمل أن يكون هذا العدد متعلقاً بنفس السحرة وأعوانهم وعمالهم ، كما ينبغي الالتفات إلى أنّ السحر كان رائجاً في ذلك العصر بكثرة ) . وقد اجتمع لأجل ذلك جمعٌ غفير من الناس عند الضحى في يوم كان عندهم عيداً ( كما عبّر عنهُ القرآن « يوم الزينة » و « ضحى » في الآية 59 من سورة طه ، وقد كشفت القرائن عن أنّ فرعون كان واثقاً من انتصار السحرة على موسى عليه السلام ، وذلك لأنّه كان قد سخر جميع وسائل الاعلام لخدمة هذه القضية . تقول الآية : « فَلَمَّا الْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » . وينبغي هنا معرفة مفردتي « الاسترهاب » و « السحر » جيداً لفهم الآية . جاء « السحر » - لغة - بمعنيين ، الأول هو الخدعة ، والثاني هو الشيء الذي غمضت عوامله وكانت غير مرئية ، وقد أرجع البعض كلا المعنيين ، إلى معنى واحد وقالوا : إنّ حقيقة السحر هي قلب الشيء من حقيقته إلى شكل آخر « 1 » . وكما قلنا في المجلد الأول من التفسير الأمثل عند تفسير الآية 102 من سورة البقرة : أنّ السحر غالباً ما يعتمد على الخواص الكيمائية والفيزيائية للمواد التي لم يعرفها الناس إلّا أنّ السحرة يعرفونها جيداً وقد اعتمدوا عليها كلياً ، كما أنّه جاء في التفاسير حول قصة

--> ( 1 ) . راجع قاموس اللغة ، ومفردات الراغب ، والتحقيق في كلمات القرآن الكريم ، وتاج العروس .