الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
294
نفحات القرآن
ويقول اللَّه في ذيل الآية : « كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ » ، وهذه إشارة إلى أنّ الاعتداء والعدوان يترك حجاباً في القلب يحول دون معرفة القلب لآيات اللَّه وتمييزه بين الحق والباطل . إنّ الطبع الإلهي على القلوب بالإضافة إلى كونه عقاباً إلهيّاً للمعتدين ، كذلك يكون أثراً من آثار الاستمرار في الاعتداء ، والمراد من الاعتداء هنا هو الاعتداء في الساحة الإلهيّة واستمرار المعصية واقتراف الذنوب ومعاداة الرسل . إنّ جملة : « فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ » إشارة إلى أن بعض الرسل جاءوا أقوامهم فكذبوهم ، ثم أرسل اللَّه إليهم رسلًا آخرين مع أدلة واضحة فما آمنوا بهم أيضاً ، وذلك لأنّ عنادهم نسج حاجباً سميكاً على عقولهم فأصبحوا لا يفقهون شيئاً ولا يعقلون . ويقول البعض : إنّ المراد من المكذبين في الآية قوم نوح الذين أُغرقوا بالطوفان ، والمراد من القوم الذين لم يؤمنوا الأقوام التي جاءت بعد قوم نوح وقد سلكوا مسلك قوم نوح في الاعتداء على الرسل وتكذيبهم « 1 » . ويبدو هذا التفسير بعيداً عن الواقع لأنّه لازمه اختلاف مرجع الضميرين في ( كذّبوا ) و ( ليؤمنوا ) ، ولهذا فالأفضل هو التفسير الأول . ويحتمل أن يكون المراد هو : الأقوام التي جاءت بعد نوح والتي قد نُقِلت لها حقائق عن دعوة الأنبياء السالفين فكذبوا تلك الحقائق ، ثم جاءتهم رسل فكذبوهم كذلك ، وعلى هذا فالتكذيب الأول يتعلق بما نُقِلَ وحُكِي لهم ، والتكذيب الثاني يتعلق بالأمور التي شاهدوها من الأنبياء بأُم أعينهم « 2 » ويبدو أنّ هذا التفسير مناسب ، ولا يبعد الجمع بين التفسيرين . جج
--> ( 1 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 5 ، ص 125 . ( 2 ) . تفسير روح المعاني ، ج 11 ، ص 143 .