الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

285

نفحات القرآن

وكذلك الأمر بالنسبة للذنوب ، فبالاصرار عليها وارتكابها مرات عديدة تحصل هذه الملكةُ عند الإنسان ، ونعلم أنّه لا حقيقة للذنب غير إشغال القلب بغير اللَّه ، والتوجه لغير اللَّه ظلمة ، وعندما تتراكم الظلمات على القلب تسلبه صفاءَه وشفافيته ، وإنّ لهذه الظلمات درجات ومراحل ، المرحلة الأولى هي مرحلة « الرَيْن » أو الصدأ ، والمرحلة الثانية هي مرحلة « الطبع » والمرحلة الثالثة هي مرحلة « الأقفال » وهي أشد المراحل . ج‌ج والآية الثانية ناظرة إلى المنافقين الذين يَدّعون الإيمان ، فإذا ما نزلت آية في الجهاد تمارضوا وتذرّعوا بذريعة من هو على وشك الموت ، فيخاطبهم القرآن قائلًا ، إنّ استمراركم في مخالفتكم هذه وإعراضكم عن العمل بكتاب اللَّه ، سيؤدي بكم إلى أن تفسدوا في الأرض ، وأن تقطعوا أرحامكم ، ولا يأمن شركم حتى أرحامكم ، ثم يضيف : « أولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ( بذنوبهم ) فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ » فما كادوا يسمعون الحق ولا يرونه . وقد كشفت هذه الآيات عن أنّ النفاق حجاب للقلب والروح من جهة ، ومن جهة أخرى عن التأثير السلبي للذنوب خصوصاً ( الفساد في الأرض ) و ( قطع صلة الرحم ) و ( الظلم والجور ) على إدراك الإنسان وتمييزه بين الحق والباطل . ولقد فسّر البعض عبارة « إن توليتم » بالاعراض ، وفسرها بعض آخر بالولاية والحكومة ، أي أنَّ مقاليد الأمور إذا أصبحت بأيديكم فستفسدون وتريقون الدماء وتقطعون الأرحام « 1 » ، ولهذا جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام : أنّ الآية نزلت في بني أمية « 2 » ، وهذا تلميح إلى أنّهم عند استلام زمام الأمور والحكومة الإسلامية سوف لا يرحمون صغيراً ولا كبيراً ، ولم يسلم من ظلمهم أحد حتى أقاربهم وذووهم .

--> ( 1 ) . ورد كلا التفسيرين في تفاسير روح المعاني ومجمع البيان والميزان في ذيل الآيات المذكورة في البحث . ( 2 ) . تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 40 ، ح 59 .