الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
264
نفحات القرآن
وقد قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية : « وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً » : إنّ عناد هؤلاء الكفرة واصرارهم في معاداة الحق ، يجعل ستاراً على قلوبهم يحول دون إيمانها « 1 » . وقد تحدثت الآية الثانية عن الحجاب الذي كان يُجعل بين الرسول صلى الله عليه وآله وبين فريق من المنافقين عندما كان يتلو القرآن الكريم . وقد فسر البعض هذا الحجاب بستار حقيقي كان يجعله اللَّه بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وبينهم بحيث لا يرونه ، إلّاأنّه مع الالتفات إلى الآيات التي لحقت هذه الآية من نفس السورة ، يتضح لنا أنّ الحجاب لم يكن سوى « حجاب التعصب والعناد والغرور والجهل » الذي كتم حقائق القرآن عن عقولهم وإدراكهم . والشاهد على ذلك هو قوله تعالى : « وَاذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا » فالمستفاد من هذا التعبير هو أنّهم كانوا يصغون في البداية إلى حديث الرسول صلى الله عليه وآله ثم يولون مدبرين لعدم سماح العناد لهم لإدراك القرآن ، وإدراك حديث التوحيد . ونشاهد في نفس السورة تعابير أخرى تحكي روح العناد المتجسمة فيهم ، ومع هذا ، فهل يمكنهم إدراك حقيقة ما ؟ وخاطبت الآية الثالثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قائلة له : إنّك لا تُسمع الموتى ولا الصم عندما يولون مدبرين ، كما أنّك لا تستطيع هداية العمى وانقاذهم من الهلاك ، فما يسمع كلامك إلّاالذين آمنوا بآيات اللَّه وسلموا للحق ( أي الذين تتلهف قلوبهم للحق ، فإنّ قلوباً
--> ( 1 ) . تفسير الكبير ، ج 12 ، ص 187 .