الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
251
نفحات القرآن
والآية الثالثة تشير إلى فريق من المنافقين الذين يستمعون للنبي صلى الله عليه وآله ، وبمجرّد ابتعادهم عنه استهزئوا به أمام المؤمنين . يقول القرآن عن هذا الفريق من المنافقين : « أُولئِكَ الَّذِيْنَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُم » . إنّ هذه الآيات الثلاث تبيّن بوضوح العلاقة بين اتباع الهوى وفقدان قدرة التمييز . لِمَ لا يكون اتباع الهوى مانعاً عن إدراك الحقيقة وقد استحوذ حبه على جميع جوانب الإنسان ، فلا يرى شيئاً غيره ولا يفكر إلّابه ؟ وقد سمعنا قول الرسول كثيراً حيث يقول فيه : « حُبُّكَ لُلشَّيء يُعْمِي وَيُصِمُّ » « 1 » . كما سمعت في هذا المجال حديثاً آخر نقل عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وعن أمير المؤمنين : « أمّا اتباع الهوى فيصدُّ عن الحق » « 2 » . إنّ هذه المسألة واضحة إلى درجة أنّها أصبحت مثلًا في كلام العرب : « صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلّاحاجته » « 3 » . إنّ الإنسان الذي خسر قلبه وروحه في حب الجاه والمال والشهوة ، وعبّأ كل رأس مال وجوده في هذا المجال ، لا يرى شيئاً في الدنيا غير هذا الحب ، وقد جعل هذا الحب ستاراً سميكاً حجب عقله وفكره . وما أجمل ما قاله علي عليه السلام في إحدى خطبه : « مَنْ عشقَ شيئاً أعشى بصره » « 4 » . وقد نقلت الرواية التالية في شأن نزول الآية 23 من سورة الجاثية التي أشرنا إليها سابقاً : إنّ أبا جهل طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة ( فقد كانت الكعبة محترمة في
--> ( 1 ) . روضة المتقين ، ج 13 ، ص 21 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 7 ، ص 75 ؛ ونهج البلاغة الخطبة 42 . ( 3 ) . تفسير المراغي ، ج 5 ، ص 157 . ( 4 ) . نهجالبلاغة ، الخطبة 109 .