الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
237
نفحات القرآن
إلى مرحلة أخطر وهي الاستهزاء ومخالفة الحق ، يقول القرآن في هذا المجال : « فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ » . ( البقرة / 10 ) جج تحدثت الآية السادسة عن جعل الأكنة والحجب على القلوب ، وليس حجاباً واحداً بل حُجب وأكنة وذلك للحيلولة دون فهمهم القرآن ، حيث جاء فيها : « وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِم وَقْرَاً » . ذكر بعض المفسرين أنّ التعبير بالأكنة يدلّ على تعدد الكِنان « 1 » ، وممّا لا شك فيه أنّه لم يجعل وقر في آذانهم الظاهرية بل الروحية كي لا يسمعون من الحق شيئاً ، كما لم تجعل الأكنة على القلوب التي هي وسيلة لضخّ الدم في الأوعية ، بل جعلت الأكنة على أرواحهم وعقولهم . وقد وقع كثير من المفسرين - عند الإجابة عن هذه المسألة - في إشكال ، فتارة قالوا : إنّها معجزة حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله يختفي عن انظار أعدائه المعاندين ، فلا يكادون يسمعون شيئاً من كلامه ، وذلك كي لا يؤذوه صلى الله عليه وآله ، وتارة قالوا ، إنّ اللَّه يمنع لطفه عن أشخاصٍ كهؤلاء فيتركهم لحالهم ، وهذا هو معنى جعل الأكنة على القلوب والوقر في الآذان . إلّا أنّ ظاهر هذه الآية ( التي تماثل آيات أخرى من القرآن ) شيء آخر ، وفي الحقيقة أنّ هذه استعمالات مجازية في حق المعاندين والمتعصبين والمغرورين والغارقين في الإثم ، وبتعبير آخر : أنّ حرمانهم من إدراك الحقيقة بسبب صفاتهم الرذيلة وأفعالهم القبيحة ، فقد جعل اللَّه هذه الميزة في هذه الأعمال ، فهي كخاصية القتل بالنسبة للسم ، فلا يُلام صانع السم وشاعل النار إذا تناول شخص ما سماً أو ألقى نفسه في النار فمات ، فانّه في مورد كهذا ينبغي لوم الذي القى نفسه في النار والذي تجرع السم فقط . وقد نقلت الآية السابعة ما كان يقوله اليهود للرسول صلى الله عليه وآله أو الأنبياء الآخرين ، حيث كانوا
--> ( 1 ) . تفسير روح المعاني ، ج 15 ، ص 82 .