الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

180

نفحات القرآن

لقد عجزنا عن المعرفة الدقيقة لحواس الحيوانات الغامضة ، بل وحتى عن معرفة أسرار وجودنا ، لذا لا يمكننا سوى ادعاء معرفة قسم من هذه الأسرار فقط . فلماذا - إذن - هذا الاصرار كله على تبرير ظاهرة الوحي في اطُر القوانين العلمية المكتشفة ، بل ينبغي القول : إنّ الوحي حقيقةٌ شاهدنا آثارها ولم نطلع على ذاتها وحقيقتها . 4 - فرضية كون الوحي غريزة طرح بعض المفكرين الإسلاميين المتأثرين بأفكار العلماء الغربيين فرضية أخرى في مجال الوحي تختلف في الظاهر عن الفرضيتين السابقتين إلّاأنّها تتفق معهما جوهرياً . وقد بُنيت هذه الفرضية على الأصول الآتية : 1 - إنّ « الوحي » لغة يعني النجوى بهدوء ، واستعملت في القرآن بمفاهيم عدة تشمل أنواع الهدايات الغامضة ، بدءً بهداية الجمادات والنباتات وانتهاءً بهداية الإنسان عن طريق الوحي . 2 - إنّ الوحي نوع من أنواع الغريزة ، وهداية الوحي ليس إلّاهداية غريزية . 3 - إنّ الوحي هداية الإنسان من وجهة نظر جماعية ، أي أنّ المجتمع الإنساني بما هو كتلة واحدة ، له مسير وقوانين وحركة ، فيحتاج للهداية ، ودور « النبي » في هذا المجال كدور الجهاز المتسلِم الذي يتسلم ما يحتاجه نوع البشر بشكل غريزي . 4 - إنّ الأحياء تهتدي في مراحلها الأولى بواسطة الغريزة ، وكلما تكاملت ونما حس التصور والفكر عندها ، كلما نقصت قدرة الغريزة فيها ، وفي الحقيقة فإنّ الحس والتفكير يستخلفان الغريزة ، وعلى هذا الأساس فالحشرات لها غرائز أكثر وأقوى ، والإنسان أقل غرائزاً بالقياس إلى الحيوانات الأخرى . 5 - إنّ المجتمعات البشرية ( من وجهة نظر اجتماعية ) تسير دائماً في طريق التكامل وتتّجه نحوه ، فكما أنّ الحيوانات في مراحل حياتها الابتدائية كانت تستند إلى الهداية