الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

167

نفحات القرآن

تطلق « البينة » على معاجز الأنبياء ، و « البيان » يعني رفع ستار الإبهام عن شيءٍ ، سواء كان بالنطق أو بالكتابة أو بالإشارة . 4 - « التكليم » و « تكَلُّم » من مادة « كلم » ، وفي الأصل - كما يقول الراغب - يعني التأثير الذي يُرى أو يُسمع ، فالذي يُرى كجُرح الآخرين ، والذي يُسمع فهو الحديث الذي نسمعه من الآخرين . يذكر الخليل بن أحمد في كتابه « العين » : أن أصل التكليم يعني « الجرح » ، وعلى هذا فاطلاقه على النطق كان بسبب التأثير العميق الذي يتركه الحديث في قلوب المستمعين له ، بل قد يكون تأثير الكلام أشد من تأثير السيف والخنجر ، وكما يقول الشاعر العربي المعروف : جراحات السنان لها التئامٌ * ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ ويستفاد من بعض العبارات أنّ « التكليم » و « التكلم » لهما معنى واحد ، وكلاهما بمعنى النطق والحديث ، ولهذا عدت « متكلِّم » احدى صفات اللَّه ، في حين إِذا أردنا التقيد بالآية : « وَكَلَّمَ اللَّه مُوسى تَكْلِيما » ينبغي القول أن اللَّه « مُكلِّم » . ولا يستبعد احتمال استعمال مفردة « التكلّم » في موارد حيث يحدّث شخصٌ شخصاً آخرَ ، إلّاأن « التكليم » مثل « المكالمة » تطلق على الحديث المتبادل بين طرفين ، وكلام اللَّه مع موسى عليه السلام في جبل طور من هذا القبيل . ومن هنا يطلق « علم الكلام » على علم العقائد ، لأنّه يذكر أنّ أول بحث بُحث فيه بعد الإسلام هو كلام اللَّه ( القرآن ) ، حيث كان البعض يعتقد أنّه أزلي ، والبعض الآخر : أنّه حادث . وقد أدّى الخلاف في هذه المسألة في القرون الأولى من عهد الإسلام إلى شجار ونزاعات شديدة ، حدثت بين المسلمين آنذاك « 1 » . ونعلم الآن أنّ ذلك النزاع لم يكن له أساس ولا نتيجة ، لأنّه إِذا أريد من القرآن محتواه ،

--> ( 1 ) . ذكر هذا الاحتمال في دائرة معارف القرن العشرين كأول احتمال في مجال التسمية هذه ، دائرة معارف القرن العشرين ، فريد وجدي ، ج 8 مادة ( كلم ) .