الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

156

نفحات القرآن

3 - الفطرة المذهبية - أنّ الإنسان يتعلم بعض القضايا والمسائل العقائدية من دون الاستعانة بمعلم أو أستاذ كمسألة معرفة اللَّه والمعاد وقضايا عقائدية أخرى يأتي شرحها في المجلد الثاني إن شاء اللَّه . والآية : « فَاذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصيِنَ لَهُ الدِّينَ » تشير إلى هذا القسم من المعرفة الفطرية . ولهذا السبب نرى الإيمان بمبدأ مقدس موجوداً على مرِّ العصور ، كما أنّ لدينا قرائن تثبت تجذّر هذا الإيمان عند الإنسان البدائي كذلك ولا يمكن اتساع هذا المعتقد واستمراره عند البشر عبر مرّ العصور إلّاإذا كان متأصلًا في فطرة الإنسان . 4 - محكمة الوجدان : توجد في باطن الإنسان محكمة عجيبة يمكن تسميتها « القيامة الصغرى » ، تحاكم الإنسان على أعماله ، فتشجعه على الحسنات ، وتوبخه على السيئات ، ونجد هذه التشجيعات والعقوبات في باطننا جميعاً ( بالطبع مع وجود اختلاف ) ، وهي نفسها التي نقول عنها تارة : ( إنّ ضميرنا راضٍ ) ، وتارة : ( إنّ ضميرنا يؤنبنا ) إلى حدٍ حيث يسلب منا النوم ، بل قد يؤدّي - احياناً إلى نتائج مأساوية مثل الانتحار والجنون والابتلاء بأمراض نفسية ، والآية : « فَرَجَعُوا الَى انْفُسِهِمْ » تشير إلى هذا القسم . 2 - هل توجد معرفة فطرية ؟ بالرغم من أنّ الجميع يشعرون بشكل عام بوجود هذا المصدر في ذواتهم ، أي يشعرون بوجود مجموعة من الخطابات والالهامات ، أو بتعبير آخر وجود إدراكات لا تحتاج معلماً أو استاذاً ، إلّاأنّ بعضاً من الفلاسفة شكك في هذا المصدر ، وعلى العموم توجد ثلاث نظريات في هذا المجال : أ ) نظرية الذين يعتقدون أن كل ما لدى الإنسان من معلومات موجود في باطنه ، وما يتعلمه في الدنيا ، يتذكره في الحقيقة ، لا أنّه يتعلمه من جديد ! هذا ما نقل عن أفلاطون واتباعه « 1 » .

--> ( 1 ) . يقول أفلاطون : إنّ الروح قبل حلولها في البدن ودخولها في العالم المجازي كانت في عالم المعقولات والمجردات و « المُثل » ، أي أنّها أدركت الحقائق ونسيتها بمجرّد دخولها في عالم الكون والفساد ، إلّاأنّها لم تنمحِ عنها بالكامل ، فالإنسان كالظل والشبح فما هو في « المُثل » يتذكره بمجرّد الالتفات إليه ، فكسب العلم والمعرفة تذكر في الحقيقة ، وإذا كان الإنسان جاهلًا منذ البدء فلا يمكنه تحصيل العلم ( مسير الحكمة في اروبا ج 1 ، ص 23 - نظريات أفلاطون ) .