الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

150

نفحات القرآن

« الفطرة » : جاءت من مادة فَطْر ، ويعتقد البعض أنّها في الأصل تعني « البَقْر » وهو الشقّ « 1 » ، بينما يعتقد البعض الآخر أنّها تعني الشق طولًا ، ثم استعملت بمعنى الخلق ، وكأنّ ستار العدم يُبْقر ويُمزّق فتخرج منه الموجودات الحية ، كما يقال للعمل المنافي للصوم كتناول الطعام ( إفطار ) ، فيقال : إنّ ذلك بسبب بِقْر شيء ممتد ومتصل . ويقال للنبات الذي يفطر الأرض ويبقرها « فُطر » لأنّه يبقر الأرض ويخرج منها ، وقد يطلق على حلب الثدي بالأصابع « فَطْر » . كما أنّ العجين إذا اختمر وصُيِّرَ خبزاً اطلق عليه « فَطْر » « 2 » . وعلى كل حال ، فإنّ المراد من هذه المفردة في الآيات هو الخلقة الإلهيّة الأولى ، والهداية التكوينية نحو حقائق مودعة في روحِ الإنسان وهو مجبول عليها . وأمّا كلمة « النفس » - وكما أشرنا سابقاً - فتعني « الروح » وقد يطلق على ذات الشيء « نفس الشئ » كما جاء ذلك في القرآن الكريم ( ويحذّركم اللَّه نفسه ) كما قد جاءت هذه المفردة بمعنى « الدم » و « العين » و « الشخص » « 3 » . كما أنّها قد تطلق اطلاقاً خاصاً على « النفس الامارة » إلّاأنّها جاءت في الآيات هنا بمعنى « الوجدان » الذي يشكل قسماً من روح الإنسان . وكلمة « صِبْغَة » مشتقة من مادة « صَبَغَ » أي طلى لوناً ، ويطلق على نتيجة العمل « صبغة » ، و « صِبْغ » يعني الطعام الذي يؤكل مع الخبز بحيث يكون الخبز كالصبغة لذلك الطعام ، وادعى البعض أنّه يعني زيت الزيتون الذي يغمس فيه الخبز ويؤكل . ويقول الراغب : إنّ « الصبغة » المذكورة في الآية إشارة إلى العقل الذي جُبِلَ عليه الإنسان وميّزه عن الدواب ، وهو كالفطرة « 4 » .

--> ( 1 ) . لسان العرب . ( 2 ) . كتاب العين ، ولسان العرب ، ومفردات الراغب . ( 3 ) . مجمع البحرين الطريحي ، مادة ( نفس ) ، ومفردات الراغب . ( 4 ) . مفردات الراغب ، مادة ( صبغ ) .