الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
نفحات القرآن
استعمل « الفكر » ، وعند البحث عن أمرٍ خفي ومعرفته بالاستعانة بأمرٍ محسوس استعمل « الفقه » ، وعند البحث عن الخبرة المقترنة بالحفظ والحضور بالبال استعمل « الذكر » ، وعلى هذا السياق تستعمل كل مفردة في محلها وكل لفظ في مقامه . وينبغي الالتفات هنا إلى هذه النقطة وهي أنّ التعبيرات التي استعملت في القرآن لبيان مهام العقل لها مراحل ورتب ، تبدأ ب « الشعور » ويراد منه الإدراك البسيط ، ثم مرحلة « الفقه » والذي يعني إدراك المسائل الخفية من المسائل الجليّة ، وبعدها تأتي مرحلة « الفكر » ويُراد منه التحليل العقلي ، ثم تأتي مرحلة « الذكر » أي الحفظ في الذهن والحضور في البال ، ثم مرحلة « النُهى » التي تعني الإدراك العميق لحقائق الأمور ، وتنتهي هذه المراحل بمرحلة « البصيرة » التي تعني النظر الذهني العميق . وهذا هو معنى البلاغة والفصاحة ! جج جمع الآيات وتفسيرها قيمه العقل في مقياس القرآن : إنَّ أول آية تناولناها بالبحث هنا تؤكد بان الهدف من نزول الآيات هو العقل والتفكير لدى الإنسان ، وتكشف عن هذه الحقيقة بالتعبير ب ( لعلَّ ) التي تفيد بيان الهدف في موارد كهذا المورد . وقد أكدت بعض الآيات على هذا الموضوع وذهبت إلى ابعد من ذلك حيث وبّخت الناس على عدم تفكرهم وتعقلهم وآخذتهم بعبارةٍ كهذه : « أَفَلَا تْعقِلُونَ » « 1 » . وقد تكرر هذا المضمون بصيغة جملة شرطية ، حيث يقول تعالى : « قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ » . ( آل عمران / 118 )
--> ( 1 ) . آل عمران ، 65 ؛ الأنعام ، 32 ؛ الأعراف ، 169 ؛ يونس ، 61 ؛ هود ، 51 ؛ يوسف ، 109 ؛ الأنبياء ، 10 و 67 ؛ المؤمنون ، 80 ؛ القصص ، 10 ؛ الصافات ، 138 .