الشيخ محمد اليزدي

151

فقه القرآن

وتلبيسا للأمر . ففي مثل هذا السياق تردّ عليهم الآية المباركة بشدة ، بعد الوعيد بالعذاب بأن البرّ لا ينحصر بتولية الوجه قبل المشرق والمغرب تظاهرا بالعبادة رياء للناس ، فاعلموا أيّها العامة التابعون لهم أن ليس البرّ ذلك فقط ، بل إنه مع التظاهر والرياء شرّ وكذب وشرك ، ولكن البرّ حقه وصدقه أن يكون في أساس كل عمل ، وهو الايمان بالله تعالى واليوم الآخر ، أي المبدأ والمعاد ، حتى لا يلتبس الحق بالباطل ولا يكتم ، ثم الاعتقاد بالنبوّة والرسالة والإقرار بالشهادة في شأن الرسول الأكرم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والعمل بذلك الاعتقاد ، فيترك ما يعطونه من المال لتلبيس الحق بالباطل . هذه أصول الاعتقادات اللازمة في صدق البرّ أولا . وثانيا : لا بدّ وأن يعطي من المال ما يتمكّن على حبّ الله تعالى ورضاه دون حب الشهرة والجاه ومن غير المنّ والأذى إلى القرابة والأيتام والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي سبيل وضع الأغلال عن العبيد وتحرير الفرد والمجتمع ، وبالجملة بذل المال في طريق الحق والخير والفضيلة وتحرير الناس . وثالثا : أن يكون عمليا لا قوليا ، مجدّا ساعيا لا متهاونا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد وتحمّل المتاعب والمشاقّ في الجهاد في سبيل الله والصبر على نوائبه ومثاقله . وعند اجتماع ذلك كلّه في مرحلتي التفكير والعمل يتحقق البرّ ويصدق الحق في إطاعة الله تعالى وتقواه فيصحّ الاتباع له فيما يقول : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . وحينئذ فإن إيتاء المال الذي يكون من عوامل صدق البرّ بحق على تلك الموارد ( المتطابقة أكثرها مع ما سيأتي تفصيله إن شاء الله من مصارف الزكاة ) ينطبق عليها ، ولا ينافي التصريح بها بعده ، والاطلاق يشمل كل صدقة وهبة وكل بذل مالي في تلك السبيل ومنه الزكاة ، فيكون ذكرها بعده من باب ذكر الخاص بعد العام .