السيد عبد الأعلى السبزواري

83

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

أقول : المراد من النسخ التخصيص ، فإنّ قوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، عامّ وقوله تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، خاصّ ، وكذا الجمع بينه وبين قوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وإطلاق النسخ على التخصيص شائع عند المفسّرين . وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ، قال : « قال علي عليه السّلام : إنّ عيسى بن مريم عبد مخلوق ، فجعلوه ربّا ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » . أقول : نسيان عهد اللّه تعالى ضياعه ، وعدم المبالاة بتكاليفه ، كما أنّ عهوده تعالى ، لطائفه التي لا تقبل الأعمال إلّا بها . ثمّ إنّه ورد في تفسير قوله تعالى : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، روايات دالّة على أنّه تعالى أغرى بعضهم بعضا بالخصومات والجدال في الدين واتباع الأهواء المختلفة ، وكلّ ذلك باختيارهم ، ولذلك أنّهم تأثّروا بالبعد عن الحقّ وإخفاء الحقيقة والتيه في الظلمات الماديّة ، كما نشاهد في عالمنا المعاصر . بحث عرفاني : معيّة اللّه تعالى مع العباد ، معيّة علم وقدرة ، أي : يسمع كلامهم ويرى أعمالهم ويعلم ضمائرهم ، فيجازي العباد حسب علمه جلّ شأنه ، سواء كان في عالم الشهادة أم في عالم الآخرة . وأما المؤمنون الكمّل من عباده ، فلهم مزيّة على تلك المعيّة ، وهي المظهريّة لأسمائه وصفاته جلّت عظمته ، حسب تقرّبهم إلى ساحته عزّ وجلّ ، كما في كثير من الروايات ، منها روايات النوافل ، فإنّ المؤمن الواقعيّ مظهر من مظاهر أسمائه أو صفاته تعالى ، لأنّ به ظهرت الصفات السامية والكمالات الخلقيّة والمكارم النبيلة الرفيعة ، وقد اجتمع فيه جوانب متعدّدة ومظاهر متنوّعة - سواء كانت لنفسه أو