السيد عبد الأعلى السبزواري

79

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

تعالى فيوفيه بأحسن وجه . وحذّر تعالى من الكفر وترك الطاعة ، بعد ما أخذ عليهم المواثيق وأعطوا السمع والطاعة ، فإنّ الكفر حينئذ إنّما يكون عن عناد ولجاج ، وهو يستوجب العذاب الشديد ، فليس له بعد ذلك سبيل يوصله إلى الحقّ ويهديه إلى الخير والسعادة . وعدّد سبحانه وتعالى جملة ممّا حلّ بهم جراء نقضهم المواثيق ، حيث خرجوا عن ربقة الإنسانيّة ، وطردوا عن رحمة اللّه تعالى التي هي السبب في حياة الإنسان ، بل هي الحياة لوحدها وغيرها من شؤونها ولوازمها ، فتراهم قد قست قلوبهم وأحلّوا كلّ ما حرّمه اللّه تعالى ، وهتكوا حرماته عزّ وجلّ ، واعتادت أنفسهم على الخيانة حيث خانوا عهد اللّه تعالى ، فكان البغض والعداوة نتيجة حتمية لتلك الخيانة ، فلم تبق لهم وليجة بعد قطع كلّ أواصر المودّة والرحمة ، يتنافرون في الأعمال والأقوال لفقد الثقة بينهم . وما عدّده عزّ وجلّ في هذه الآيات المباركة ، هي أمهات الرذائل التي تسلب كلّ سعادة وتضلّ عن سواء السبيل الذي يرشدنا إلى الكمال ، فيكفي في ذلك عبرة لمن اعتبر . ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الشريفة الأمور التالية : الأول : يدلّ قوله تعالى : فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ، على أنّ ما بيّنه عزّ وجلّ من الخصال الخمس ، إنّما هو سواء السبيل الذي يورد سالكه إلى النعيم المقيم ، وهو الصراط المستقيم الذي ينبغي طلب الهداية من اللّه تعالى إليه ، ويجب العمل على مقتضاه . الثاني : يدلّ قوله تعالى : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا ، على أنّ بعض المعاصي يوجب نسيان العلم والخروج عن حقيقته ، وتدلّ عليه جملة من الآيات الشريفة والروايات ، وفي ذلك قول الشافعي :