السيد عبد الأعلى السبزواري
59
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التي تعدّهم إعدادا علميا لنيل الكمالات والفوز بالسعادة ، وهي التي تجعلهم خير امّة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ولا ريب أنّ هذه المنزلة العظيمة تستدعي أن يكون المؤمن مستعدا استعدادا متكاملا علميا وعمليا وخلقيا لذلك . وهذه الآيات الشريفة تشتمل على جملة من التوجيهات والإرشادات التي تهدي المؤمنين وتهيؤهم للوصول إلى تلك المنزلة التي أرادها اللّه تعالى لهم ، فأمرهم عزّ وجلّ أوّلا بالقيام بوظائف العبوديّة وأداء حقوق الربوبيّة بالايتمار بأوامره والانتهاء عن مناهيه ، فإنّه أوّل المنازل ، والاستقامة عليه ، وأحكم ذلك بالأمر بابتغاء العدل في جميع الأمور ومراعاته في كلّ الأحوال ، والشهادة بالقسط ليصلوا إلى تلك المنزلة العظيمة التي هي أقرب ما يمكن أن يصل به المؤمن إلى الكمال ، وهي التقوى التي هي السبيل الأمثل في تصفية النفوس وتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالمكارم والفضائل ، وأمر بالعدل وأكّد عليه تأكيدا شديدا ، لأنّه الميزان الأقوم في تقويم الأعمال وتمييز صحيحها عن سقيمها . ثمّ ذكر أحوال الأمم السابقة التي آمنت ثمّ نكصت عن إيمانها ، فنكثت المواثيق التي أخذها اللّه تعالى منهم وأعطوا السمع والطاعة عليها ، فكان عاقبتهم البعد عن الكمال ، والشقاء والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة ، فكانت أحوالهم خير معين لتزكية النفوس ووقايتها من الوقوع في مهاوي الرذيلة والبعد عن الكمال . كما ذكرهم بالنّعم العظيمة التي تستدعي دوام الشكر عليها واستدامة الطاعة والقيام بوظائف العبوديّة . وقدّم عزّ وجلّ في هذه الآيات المباركة التحلية بفضيلة القيام للّه تعالى والشهادة بالعدل ، والعمل به ، والتحلّي بالتقوى على التخلية عن الرذائل . مع أنّ الأمر الثاني مقدّم على الأوّل كما هو معلوم ، لأنّ ما ذكره عزّ وجلّ في المقام هو