السيد عبد الأعلى السبزواري
53
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
ودعوى : سقوط الأمر لأجل الحرج ، فلا وجه لصحّة العلم العباديّ المتقوّم بقصد الأمر . مدفوعة : بأنّ سقوط الأمر لا يستلزم سقوط الملاك ، ومقتضى الأصل بقاؤه إلّا أن يدلّ دليل على سقوطه أيضا . والفرق بين الحرج والضرر أنّ الأوّل أعمّ موردا من الثاني ، لشموله للمشقّة التي لا تتحمّل عادة ، وإن لم يكن نقص في البين ، وقد ثبت في محلّه أنّ الأمور إما دون الطاقة ، أو بقدرها ، أو فوقها ، والأول مورد في جملة من الأخبار ، والثاني مورد الحرج ، والثالث مورد الضرر . ونفي الحرج كنفي الضرر يحتاج إلى التقدير ، وفيه أقوال ذكرناها في علم الأصول ، ومن شاء فليرجع إلى كتابنا ( تهذيب الأصول ) واللّه العالم . بحث عرفاني : الإنسان المتخلّق بأخلاق اللّه تعالى يكون مظهرا من صفات لطف الحقّ ، ولذا يكون قبوله قبول الحقّ ، وردّه ردّ الحقّ ، ولعنه لعن الحقّ ، ويكون دعاؤه دعاء الحقّ وكذا صلاته ، فإذا صلّوا على أحد كان صلاتهم صلاة الحقّ ، قال تعالى مخاطبا لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله : إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [ سورة التوبة ، الآية : 103 ] ، وقال تعالى : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 162 ] ، وقال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [ سورة الأحزاب ، الآية : 43 ] . وهذا الكمال لا يتحقّق في الإنسان المؤمن إلّا بالمعرفة الكاملة والإفاقة عن الغفلة ، وفي الآيات المباركة المتقدّمة تلميح إلى ما يصل به المؤمن بالرقي في تلك المراتب ، حتّى يصل إلى مقام القرب لديه جلّت عظمته ، فقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا حقيقيّا ، فيكون الخطاب مع الذين قالوا : « بلى » عندما تجلّى بقوله جلّ شأنه : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ في يوم الميثاق ، فعاينوا ثمّ : قالُوا بَلى