السيد عبد الأعلى السبزواري
5
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الجزء العاشر [ تتمة سورة النساء ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 135 إلى 136 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 135 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) الآيتان الشريفتان من الآيات المباركة المعدودة في القرآن الكريم الّتي تعدّ هذه الامّة إعدادا عمليا صالحا لتحمّل المهمّة الكبرى الّتي أنيطت إليها ، حيث جعلها خير أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وأنّها أمة وسط شهداء على الناس ، وقد ميّزها عزّ وجلّ بهاتين المهمتين ، أي الشهادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الّذين يكونان تطبيقا عمليا للعقيدة . أما الآية الأولى ، فهي آية تربويّة توجيهيّة لإقامة العدل الإلهي في هذه الأرض المليئة بالعدوان ؛ ليتنعّم البشرية وتقوم بالقسط . وهذه المهمة لا يمكن أن يقوم لها أساس إلّا بتربية من يقوم بها تربية خاصّة صالحة ؛ ليتجرّد للحقّ وإقامة العدل ، فإنّ الإنسان عرضة للميل إلى الأهواء ، فأمر عزّ وجلّ أن يكونوا قوامين شديدي التمسّك بالقسط في كلّ شؤونهم وما يتعلّق أو من يتعلّق بهم حتّى يكونوا شهداء للّه تعالى ، لا إلى المصالح والمنافع ولا رئاء الناس ، وهو يتطلّب التضحية ، فلا يكون الغنى والفقر ولا غيرهما هو الميزان في العدل ، بعد أن كان إقامة القسط والعدل للّه تعالى وأنّ مرضاته عزّ وجلّ هي الهدف والغاية ، لا الأهواء الّتي تزيغ الإنسان وتحدّه عن إقامة العدل .