السيد عبد الأعلى السبزواري

42

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا . بيان لحقيقة من الحقائق الواقعيّة الّتي لا تقبل التغيير والتبديل ، وهي أنّ السبيل للمؤمنين ولن ينعكس أبدا ، وتتضمّن الوعد منه عزّ وجلّ لهم الغلبة والنصر على الكافرين ، وتأييس للمنافقين بأنّ الغلبة للمؤمنين فلا ينفعهم موالاة الكافرين . ومن القرائن الحافّة بهذه الآية الشريفة يستفاد أنّ السبيل المنفي يشمل جميع أنحائه من الظاهري - وهو الغلبة والنصر ، والاستيلاء - والمعنوي وهو الحجّة والبرهان ، فإنّ قوله تعالى : فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ إشارة إلى القسم الأوّل ، وقوله تعالى : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إشارة إلى القسم الثاني ، فإن كان للكافرين غلبة وقوّة في الحال ولكن للمؤمنين الغلبة والنصر في المآل كما وعد عزّ وجلّ قال تعالى : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ سورة آل عمران ، الآية : 139 ] . وأمّا الغلبة في الحجّة والبرهان فلا ريب فيها من أحد ، وتخصيص الآية الشريفة بأحد القسمين : الظاهري - بأن لم يجعل لهم على المؤمنين سلطانا تامّا بالاستئصال كما حكى عن السدي - أو المعنوي ، كما قلنا . كما أنّ الإشكال بأنّ الغلبة الظاهريّة للكافرين قد تحقّقت في كثير من الأعصار ، فلا تشمل الآية الكريمة السبيل الظاهري . غير صحيح ؛ لأنّ ذلك مؤقت ، وذلك لا يضرّ بعد وعد اللّه تعالى بالنصر للمؤمنين وما حصل للكافرين من الغلبة ، لا لأجل كونهم على الحقّ ، بل لإصرارهم على الباطل والاعتماد على تلك الأسباب الماديّة وعملهم بها بدقّة وإحكام ، بخلاف المسلمين الّذين أهملوا هذا الجانب ، كما أنّهم أعرضوا عن كثير من تعاليم الإسلام ، وقد وعد اللّه لهم بالنصر إن كانوا مؤمنين وعاملين بالأحكام الإلهيّة . وتدلّ عليه آيات كثيرة ونصوص مستفيضة ، منها ما تقدّم من قوله تعالى : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [ سورة آل عمران ، الآية : 139 ] ، أي مؤمنين إيمانا صحيحا يدعو إلى العمل بما اعتقدتموه .