السيد عبد الأعلى السبزواري
29
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى [ سورة طه ، الآية : 16 ] ، وقال تعالى مخاطبا نبيّه صلى اللّه عليه وآله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ سورة الكهف ، الآية : 28 ] ، وقال تعالى كذلك : فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ سورة القصص ، الآية : 50 ] ، وقال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ سورة النازعات ، الآية : 41 ] . ولعلّ قوله تعالى : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ يشير إلى ذلك ، أي التحلّي بأسمى صفاته ومظاهر أسمائه وهو العدل ، فيستلزم ذلك التخلّي عن المساوئ والمفاسد والبعد عن أخلاق الشياطين كالكبر ، والحسد ، والحقد ، والغضب ، وكتمان الشهادة ، والحدّة والبطر والأشر وغيرها ، ولأجل ذلك أتى عزّ وجلّ بصيغة المبالغة ( قوامين ) الدالّة على الشدّة وتهويل الأمر والتحمّل مع التعب والمشقّة . كما يحتمل أن يكون قوله تعالى : شُهَداءَ لِلَّهِ أي : شهداء للّه وفي اللّه ، غائبين عن وجودكم في شهوده بالوحدة ، وهذا مقام أخصّ الخواصّ ، لا شهداء للّه الحاضرين مع اللّه بالفردانيّة ، وإن كان ذلك مقاما ساميا أيضا وهو مقام الخواصّ ، فضلا عن الشهادة بالتوحيد وهو أوّل أصول الدين ، وإن كان صحيحا إلّا أنّه يختصّ بعوام المؤمنين . وبعبارة أخرى : تحصيل المعرفة والشهود بالوحدانيّة تارة ، يكون بالدليل والبرهان ، فهذا معرفة العوام ؛ لعدم التقليد في أصول الدين . وأخرى : بالمشاهدة والعيان ، وهذا معرفة الخواص ، وهي من أجلّ المقامات . وثالثة : بالفناء عن ما سوى الرحمن ، وهذا معرفة أخصّ الخواص . وكذا الشهادة للّه فتارة : تكون سمعيّة ، وأخرى : عينيّة ، وثالثة : فنائيّة بعد رفع حجب الأنانيّة عن النفس وإزالة الأغيار عنها بالتجريد ، فإنّ الشهادة لو كانت على النفس لإحقاق الحقّ بإيصاله لأهله وكانت للّه تعالى ، استلزمت اضمحلال الأنانيّة والتطهير من الذنوب ، خصوصا لو كانت مخالفة للهوى ، وكذا لو كانت على