السيد عبد الأعلى السبزواري
20
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الثامن : يدلّ قوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ، على أنّ الإيمان الإجمالي لا اعتبار به ما لم يكن عن تفصيل ، فإنّ الوثني أيضا يعتقد باللّه ويؤمن ، كما حكي عنه عزّ وجلّ ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [ سورة الزخرف ، الآية : 9 ] ، وقال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [ سورة الزخرف ، الآية 87 ] ، ومع ذلك فهو في عداد المشركين والكافرين ، فالإيمان بحسب نظر القرآن وحدة جامعة للإيمان باللّه تعالى والرسول الكريم والكتاب الّذي انزل عليه والكتاب الّذي انزل من قبل على سائر الأنبياء والمرسلين . وهذه الوحدات متكاملة يستلزم بعضها البعض لا تقبل التجزّؤ ، وتشتمل على جميع المعارف الإلهيّة الّتي شرحها القرآن الكريم في سوره وآياته المباركة . ومن هنا نرى أنّ الآيات الكريمة التالية تنبئ عن ماهية الإيمان بصورة دقيقة ، وتشرح حقيقته شرحا وافيا . وتقسّم الكافرين حسب درجات كفرهم من حيث إنكارهم لمجموع الوحدات أو لبعضها ، فيصف عزّ وجلّ من أنكر المجموع بالضلال البعيد ، كما يصف من يفارق بعضها بالنفاق ، ويبيّن أنّه من الكفر التقرّب إلى الكفّار وموالاتهم وتصديقهم في ما يرمون به المؤمنين والاستهزاء بالإيمان وأهله ، وهذا ما نراه في الآيات الكريمة التالية . التاسع : يستفاد من قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ أركان الإيمان الصحيح ، وهي : الركن الأوّل الإيمان باللّه الواحد الأحد المستجمع لجميع صفات الكمال ، والمنزّه عن النواقص الّتي هي صفات الجلال ، وهذا الاعتقاد يستدعي نبذ الشرك والأنداد والاتّصاف بصفات الواحد المنّان . الركن الثاني : الإيمان بجنس الملائكة الّذين هم رسل اللّه تعالى ، لا يعصون اللّه ما أمروا به ، وهم وسائط الوحي والفيض . الركن الثالث : الإيمان بالكتب الّتي أنزلها اللّه تعالى على الأنبياء والرسل ،