السيد عبد الأعلى السبزواري
83
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والوحشة بين الناس وتحريضهم إلى عدم الخروج إلى بدر ، لما أخبرهم بأنّ أبا سفيان قد جمع الجموع وجهّز الجيوش ، كما أخبر عزّ وجلّ في القرآن الكريم . وقد ذكر المفسّرون للاستثناء وجوها ، فقيل : إنّ ظاهر الآية الشريفة أنّه امتنان خاص في أمر قد انقضى . وفيه : أنّه لا ينافي الأخذ بالعموم لتشمل الجميع ، فتكون للّه تعالى توفيقات خاصّة على المؤمنين ، وأنّ له فضلا كبيرا عليهم . وقيل : إنّ الآية الكريمة على ظاهرها ، فإنّ المؤمنين سواء المخلصون منهم أم غير المخلصين ، يحتاجون إلى فضله ورحمته ، وإن كان غير المخلصين يحتاجون إلى عناية زائدة . وفيه : أنّه خلاف ظاهر الآية الشريفة . وقيل : إنّ المراد بالفضل والرحمة القرآن والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله . وقيل : إنّ المراد بهما الفتح والظفر ، فيكون وجه الاستثناء بناء عليهما واضحا . وقيل : إنّ الاستثناء إنّما هو في اللفظ دون الواقع ، نظير الاستثناء في قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ سورة الأعلى ، الآية : 6 - 7 ] ، فإنّ الاستثناء يفيد عموم الحكم بنفي النسيان ، وفي المقام الاستثناء يفيد الجمع والإحاطة . وجميع هذه الوجوه بعيدة عن سياق الآية المباركة . قوله تعالى : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ . توجيه تربويّ آخر يهمّ الرسول القائد صلّى اللّه عليه وآله أكثر من غيره ، فيوجّه سبحانه وتعالى الأمر له ليعطي درسا للقدوة الواقعيّة ، ويبيّن تلك الطائفة المؤمنة الّتي خلصت لربّها في إيمانها ، وسلمت من الأوصاف الّتي وصف بها جلّ شأنه تلك الطوائف المنافقة الضعيفة في الإيمان ، فقد أمره عزّ وجلّ بالتحريض للقتال .