السيد عبد الأعلى السبزواري

61

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

نظره ، فقد يختار ما هو خير لنفسه وهو في الواقع شرّ لها ، قال تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 216 ] ، ولا يقدر الإنسان أن يميّز الخير من الشرّ إلّا بإطاعة اللّه وطاعة رسوله ، ومن تولّى عن ذلك يقع في السوء والسيئات ، ولا يكون إلّا من سوء اختياره ؛ لأنّه أعرض عن نظام الأسباب والمسبّبات الّذي جعله اللّه عزّ وجلّ وسيلة لنيل الخير والحسنات . والرسول صلّى اللّه عليه وآله ليس له سلطان على ردعه عن ذلك وإكراهه على الوصول في الطاعة ، فإنّ ذلك ليس من سنّة اللّه تعالى في النظام التشريعيّ ، فكانت هذه الآية المباركة بمنزلة الشرح للآية الكريمة السابقة ، فسبحان من أحكم آياته . التاسع : يستفاد من قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ شأن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ومنزلته عند اللّه تبارك وتعالى ، حيث لم يفصل بين طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وطاعة نفسه جلّت عظمته ، فجعل طاعته إطاعة لنفسه عزّ وجلّ ، ولم يرد مثل هذا الشأن والمنزلة في سائر الأنبياء . العاشر : يدلّ قوله تعالى : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً على نظرية الإسلام في الطاعة والإيمان ، فإنّها تنفي الطاعة عن القهر والإكراه ، ولا تؤمن إلّا بالإيمان الصادر عن الاختيار ورضاء النفس ، ويستفاد من قوله تعالى : حَفِيظاً ، أن إحساس الشخص بكونه مراقبا وحفيظا عليه - يجبره على الإيمان والطاعة - يجعله ذليل النفس ويخمد وجدانه عن الإحساس بالمسؤوليّة والتكليف عنده ، ففي الإسلام لا يكون الرسول صلّى اللّه عليه وآله حفيظا حتّى لا يشعر الفرد بذلك ، وهذا ما أثبته علماء التربية في العصر الحديث ، وقد سبقهم الإسلام بقرون كثيرة ، فقالوا إنّ الطاعة الصادرة عن الحرية والاختيار ترفع طبع الإنسان ، وأمّا الإذعان الناشئ عن القهر يحطّه ويستلزم إخماد الوجدان في نفسه ، لا سيما إذا طال أمد القهر ، فإنّه