السيد عبد الأعلى السبزواري
52
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ سورة الشورى ، الآية : 30 ] ، وسيأتي في الموضع المناسب تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا . خطاب للرسول الكريم ، ولكن المقصود بيان الأمر للناس كافّة ، وتنزيه لمقام الرسول صلّى اللّه عليه وآله عن ما وصمه المنافقون وضعاف الإيمان ، فلا يتّصف الرسول صلّى اللّه عليه وآله إلّا بما وصفه اللّه تعالى به ، وهو أنّه رسول للناس كافّة ، يبلغ عن اللّه تعالى الشريعة ، فليس له من الأمر شيء حتّى يوصم بالشؤم ونحوه ، كما يزعمه هؤلاء ، وإنّما أراد عزّ وجلّ من إرسال الرسول الخير للناس ، وأمر بتبليغ منهج ربانيّ قويم ، فمن اتبعه فقد جلب الخير لنفسه ، ومن أعرض عنه فقد جلب الشرّ لنفسه ، وهو تعالى شهيد على ذلك ، وهذه الآية المباركة تأكيد لما ورد في سابقتها . قوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . تعليل لما سبق وتأييد منه عزّ وجلّ على ثبوت تلك الحقائق المتقدّمة ، فإنّه تعالى شهيد على إرساله صلّى اللّه عليه وآله نبيّا ورسولا للناس كافّة . وكفى باللّه تعالى شهيدا ، لأنّه عالم بجميع الحقائق ، قيوم عليها ، فلا ينبغي بعد ذلك أن يخرج أحد عن طاعة الرسول . قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ . بعد أن أثبت عزّ وجلّ رسالته وأيّدها بالشهادة ، كان وجه الخطاب في هذه الآية الكريمة مع الناس لإعلامهم بلزوم طاعة الرسول ، وأنّه لا عذر لهم في تركها ، وأنّ طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله طاعة اللّه تعالى ؛ لأنّه يبلغ عن ربّه ولا يأمر ولا ينهى من عند نفسه ، واللّه تعالى هو الآمر والناهي ، فهو الّذي يطاع في الحقيقة ؛ لأنّه ربّ العالمين ، وإلههم عالم بصالحهم ، فالآية المباركة بمنزلة التعليل لما ورد في الآية المتقدّمة وتثبيت لمضمونها .