السيد عبد الأعلى السبزواري

50

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الأمّة ، فقد صدرت من اليهود وغيرهم ، قال تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ سورة البقرة ، الآية : 118 ] . والمعنى : وإن تصبهم بلية كالمرض والقحط وغيرهما يتشاءمون بك يا رسول اللّه ؛ لجهلهم وضعف عقيدتهم بك . قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . بيان لحقيقة من الحقائق الواقعيّة الّتي أمر عزّ وجلّ رسوله الكريم صلّى اللّه عليه وآله بتبليغها إلى أولئك ، وهي أنّ كلّ ما يحدث في هذا العالم لا يحدث إلّا بقدر اللّه تعالى وقضائه ، ويدخل في نظام كوني دقيق متقن ، وكلّ ما يصيب الإنسان من حسنة أو سيئة هو من عنده جلّت عظمته ، لا من غيره ، فهو عزّ وجلّ يقبض ويبسط ما يشاء . وهذه الحقيقة تملأ مشاعر المخلصين المؤمنين ، ولا بدّ أن تستقرّ في أفكار غيرهم حتّى يكمل إيمانهم ويستقرّ في قلوبهم وترتاح خواطرهم وتطمئن نفوسهم ، ولكن ليعلم أنّ هذه الحقيقة لا تنافي قانون الأسباب والمسبّبات ، ولا تمنع الإنسان من اتخاذ الأسباب ، كما ذكرنا ذلك في أحد مباحثنا السابقة . قوله تعالى : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً . تنديد لهؤلاء الّذين يظنّون ظنّ الجاهلية بأسلوب يقرع سمعهم ويوبخهم باستفهام ينكر عليهم مقالتهم ، ويصفهم بأنّهم لا يفقهون حديثا على الإطلاق ؛ لأنّه غابت عنهم تلك الحقيقة الكبرى الّتي يدركها كلّ من رجع إلى نفسه وإلى ما يحيط به من الحوادث ، فماذا أصاب عقولهم من فهمها ، ولما ذا خمدت فطنتهم وتاهت فطرتهم ؟ ! وقد نبّههم الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله بتلك الحقيقة ، والّتي بها يزيل عنهم كلّ شكّ وريب ، ولكنّهم أعرضوا عن ذلك وشغلوا فكرهم بمتاع الحياة الدنيا ، حتّى عدّوا كالبهائم الّتي لا فهم لها بما يحيط بها من صروف الدهر .