السيد عبد الأعلى السبزواري
47
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والآية المباركة ترغيب إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، وردّ على من يحجم عنه خوفا على ما حصل من متاع الدنيا . والفتيل ما يكون في شقّ نواة التمر ، أو ما يفتل بالأصابع من الوسخ على ما عرفت سابقا ، ويكنّى به عن القلّة والحقارة ، يقال : « ما أغني عنك فتيلا » ، أي شيئا بقدر الفتيل . قوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . بيان لحقيقة أخرى من الحقائق الّتي يدركها جميع أفراد الإنسان ، وهي أنّ الموت حتم لا مفرّ منه ولا مهرب عنه ، ولو اتّخذ لنفسه ما يتّقي به كلّ مكروه فإنه واقع حسب سير التكوين ، وأنّه مهما غفل عنه الإنسان أو تغافل عنه حسبانا منه أنّه بعيد ، فإنّه ستجيء اللحظة الّتي يتنبه فيها ويدرك تلك الحقيقة ، وتكون فيها نهايته . والآية الشريفة بأسلوبها البديع توقظ الناس وترشدهم إلى تلك الحقيقة وتجسّمها لهم ، بحيث لا تدع أيّ مجال للشكّ والارتياب ، فتستقرّ في أنفسهم أنّ متاع الدنيا قليل . والبروج : جمع البرج ، وأصله التبرّج بمعنى الظهور ، ومنه تبرّجت المرأة إذا أظهرت محاسنها . ومنه بروج النجوم لمنازلها المختصّة بها ، قال تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [ سورة البروج ، الآية : 1 ] ، أي : الكواكب العظام سمّيت بها لظهورها ، وقال تعالى : وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً [ سورة الحجر ، الآية : 16 ] ، أي منازل للشمس والقمر . والمراد منه هنا البناء المعمول ، وهو الحصن ، والبروج المشيّدة هي القصور المرتفعة الحصينة الّتي أحكمت ورفع بناؤها ؛ ليأوي إليها الإنسان لدفع المكروه عنه من عدو ونحوه .