السيد عبد الأعلى السبزواري
8
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وقد تتابع الذمّ على هذا الفعل الشنيع ؛ لبيان أنّه بلغ الغاية في القبح ؛ ولذا أفرد عزّ وجلّ هذا النكاح بالذكر عن غيره من الأفراد التي سيذكرها . قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ . بيان لأنواع المحرّمات النسبيّة في النكاح ، لحكمة متعالية وعلّة ثابتة واقعيّة . وقد ذكر عزّ وجلّ أنواعا ثلاثة ، وهي : المحرّمات النسبيّة ، والمحرّمات بالمصاهرة ، والمحرّمات بالرضاع . ولكلّ نوع أصناف متعدّدة ، وهذه الآية الشريفة جمعت تلك الأصناف بأسلوب لطيف وبيان واضح . والآية الكريمة تشتمل على المجاز العقلي ، فإنها نسبت الحرمة إلى الذوات كالأمهات والبنات وغيرهن ، والمراد بها حرمة نكاحهن ، الأعمّ من إيجاد علقة النكاح بالعقد المقصود به ذلك ، والوطء لمناسبة الحكم والموضوع ، فإنّها من القرائن التي يعتمد عليها المتعارف في المحاورات . وللمقام نظائر كثيرة في القرآن الكريم ، قال تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [ سورة المائدة ، الآية : 3 ] ، فإن المراد حرمة الأكل ، وقال تعالى : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [ سورة المائدة ، الآية : 26 ] ، أي : سكنى الأرض ونحو ذلك . والخطاب وإن كان متوجّها إلى الرجال ، لكنّه يشمل النساء ، فيحرم عليهن آباؤهن وأبناؤهن وغير ذلك ؛ للملازمة بينهما ؛ ولأنّ الخطبة والطلب إنّما يكون من الرجال عادة دون النساء . والعموم في الموضعين في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ انبساطي بالنسبة إلى الأفراد ، أي : كلّ فرد يحرم عليه نكاح أمه وبنته وأخته .