السيد عبد الأعلى السبزواري

25

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ . بيان لقاعدة كلية في التمييز بين الطريق الصحيح والباطل في النكاح ، فإنّ النكاح الصحيح المشروع ما تحقّق فيه تحصين النفس عن الوقوع في ما يوجب سخط اللّه تعالى ، والتعفّف عن ابتغاء الحرام باستغناء كلّ واحد من الزوجين بالآخرين الاستمتاع المحرم ، وهذا القصد هو من أهمّ الطرق التي يوجب تهذيب داعية الفطرة وكبح جماحها ، لئلّا تذهب كلّ مذهب ، فيكون قصد التعفّف من أهمّ مقومات تكوين الأسرة الصالحة وتأسيس مجتمع قويم يتقوّم من أفراد مهذّبين صالحين ، فكلّ نكاح شرعي متحقّق في الخارج ، سواء كان بالعقد الدائم أو بملك اليمين أو بعقد انقطاع ، إنّما هو لأجل تحصين النفس والعفاف ، وهو يغاير السفاح الذي لا يكون إلا استجابة وقتية لداعي الشهوة واستيلائها على داعية العقل والعفّة . وهذه الآية الشريفة على إيجازها قد اشتملت على مقوّمات التشريع الإلهي في هذا الموضوع المهمّ ، الذي اعتبره بعض علماء النفس السبب الوحيد في ما يجري في الاجتماع الإنساني وما يتخلّق به الأفراد من الصفات والعادات ، واعتبر أنّ للشهوة الفطريّة الأثر المهمّ في تكوين الإنسان نفسيّا وتربويّا وخلقيّا ، وهذا الرأي فيه من الإغراء والمبالغة ما لا يخفى ، وسوف ننقل هذا الرأي في الموضع المناسب إن شاء اللّه تعالى ونذكر ما فيه من المناقشات . وكيف كان ، فالآية المباركة من الآيات المعدودة التي تبيّن جميع مقوّمات التشريع ، من الحكم والحكمة والقصد والغاية ، فالنكاح المشروع هو ما قصد فيه تحصين النفس وبعث العفّة في النفوس التي أثارتها الشهوة العارمة ، وسدّ أبواب الفحشاء والسفاح الذي هو وليد حاجة وقتيّة غير مهذّبة غلبت على القوة العاقلة ، لأجل عدم تحصين النفس ، فهذا المناط إذا تحقّق في كلّ نكاح كان مشروعا في كلّ دين - الإسلام وغيره على حدّ سواء .