السيد عبد الأعلى السبزواري
45
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . بيان للبرهان المقرر سابقا في شأن إبراهيم ( عليه السلام ) وان التوراة والإنجيل نزلتا بعده وتنزيه من اللّه تعالى له من كل افتراء عليه فلم يكن يهوديا ولا نصرانيا كما كان يدعيه كل فرقة منهما لأنه لا يقول بأمر يمس بجلال اللّه تعالى وعظمته ولا يحد قدرته عز وجل ولا ينسب اليه ما لا يليق به كما تقوله اليهود ولا يقول بالتثليث وألوهية البشر كما عليه النصارى المبتعدين عن التوحيد الخالص الذي هو دين إبراهيم ( عليه السلام ) فالامر هنا امر عقائد لا امر نسب وصلة . قوله تعالى : وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مادة حنف تدل على الميل إلى الحق وحيث إن الحق فيه تعالى فيكون الميل إلى التوحيد حينئذ ويلازمه نفي كل خلاف الحق والتوحيد من الشرك والضلال فكانت عقيدة إبراهيم ( عليه السلام ) مائلة عن الشرك ومتمحضة في التوحيد الخالص الذي ينفي كل شرك وضلال كما عليه محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) . ويقابلها مادة ( جنف ) الدالة على الميل إلى الباطل . وقد كان عرب الجاهلية يدعون أنفسهم بالحنفاء لأنهم تبعوا إبراهيم في بعض شرايعه كالختان والحج . وكان أهل الكتاب يسمونهم بالحنفية الوثنية . والمراد بالإسلام في المقام هو التسليم للّه تعالى والانقياد لطاعته والخضوع لربوبيته وليس المراد من الإسلام الدين الذي جاء به محمد ابن عبد اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) فإنه حادث بعد إبراهيم بعدة قرون وتابع له لقوله تعالى : « وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً » النساء - 125 وقد تقدم في قوله تعالى : « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ » آل عمران