السيد عبد الأعلى السبزواري
99
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
اللّه تعالى كما في الأحاديث . والمعنى : أن الذين كفروا بدعوة النبيّ وأنكروا الشريعة دأبهم كدأب قوم فرعون مع موسى عليه السّلام ، ودأب من قبلهم من الأمم ، كذبوا بآيات اللّه وحججه فاستولت عليهم ذنوبهم فأهلكهم اللّه ونصر الرسل ، واللّه شديد العقاب بالنسبة إلى الكفّار أو الذين علموا بالحقّ الواقع وأنكروه . قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ . الخطاب متوجّه إلى سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، بل في الواقع متوجّه إلى كلّ نبي أو ولي من أولياء اللّه تعالى وأنبيائه الذين يستضعفون في الأرض بكلّ نحو من الأنحاء ، ومع ذلك لهم قدم راسخ في إظهار الحقّ وإعلاء كلمته . مادة ( ح - ش - ر ) تأتي بمعنى الجمع والسوق وحيث إن الجلاء عن المحلّ والخروج عن المقر يستلزم الحركة ، سمّي ذلك حشرا ، ويقال ذلك في الجماعة غالبا ، سواء كان الحشر في الدنيا كما في قوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [ سورة الشعراء ، الآية : 53 ] ، وقال تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ [ سورة النمل ، الآية : 17 ] ، أم في الآخرة مثل قوله تعالى : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [ سورة الكهف ، الآية : 47 ] ، واطلق ( الحاشر ) على سيد الأنبياء ، ولعلّه لتنزيل هذا الفرد العظيم منزلة الجماعة ، أو لأن الناس يحشرون خلفه ، وعلى ملّته يسوق الناس إلى المحشر ، فإنه آخر الأنبياء وأوّل فيض السماء ، فيقوم على قدميه بين يدي اللّه جلّ جلاله والناس مصطفون خلفه ، فيسوقهم إلى موازين العدل والحساب وتعيين الجزاء بالثواب والعقاب ، ومادة ( بأس ) من المواد المستعملة في الذمّ بجميع هيئاتها ، اسما وفعلا . والمعنى : قل للكافرين من اليهود وغيرهم من الكفّار : إنكم ستغلبون وتقهرون في هذه الدنيا وتساقون في الآخرة إلى النار وبئس المهاد ، لما مهدتموه لأنفسكم .