السيد عبد الأعلى السبزواري

8

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . تقدّم بعض الكلام فيه في تفسير آية الكرسي [ 255 من سورة البقرة ] ، ونزيد هنا : اللّه اسم للذات المستجمعة لجميع الكمالات الواقعيّة والادراكيّة ، والمسلوب عنها جميع النقائص كذلك ، ونفس تصوّر هذا المعنى بما ذكرناه في فرض العقل يغني عن إثبات صفات جماله وجلاله ومعبوديته المطلقة ، وخضوع ما سواه له ، ولا نحتاج إلى إقامة دليل آخر على ذلك ، فالهويّة المطلقة في الكمال المطلق مجرّدة عن كلّ قيد وإضافة ، منحصرة فيه عزّ وجلّ ، وقد روي أن عليا عليه السّلام قال : « يا من هو ، يا من ليس هو إلا هو » ، وعرض ذلك على سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله فقال لعلي : « علمت الاسم الأعظم » ، نعم هو اسم أعظم لمن انقطع إليه تعالى كمال الانقطاع فتجلّى له حينئذ حقيقة أنه ليس هو إلا هو . والحيّ القيوم بالمعنى الحقيقي لا يمكن للعقول المحدودة الإحاطة بهما ، لأنهما عين الذات المقدّسة ، والعقول قاصرة من وصول تلك الساحة العظمى ، بل الحياة في ما سواه عزّ وجلّ من المجرّدات ، وغيرها تكون شارقة جزئية من شوارق تلك الحياة . كما أن المراد بالقيوميّة فيه عزّ وجلّ مديريّته ومدبريته وتربيته العظمى لجميع عوالم الممكنات ، قيوميّة حياة تستلزم العلم والقدرة والهيمنة والإحاطة ، لا أن تكون قيوميّة فاقدة للشعور والحياة ، كما في الأسباب الطبيعيّة التكوينيّة . فيكون لفظ القيوم بهذا المعنى من الأسماء الخاصة به تعالى كلفظ ( اللّه ) ، ولكن لو لوحظ فيه مبدأ الاشتقاق ، وهو مطلق القيام بالشيء وعلى الشيء ، ومطلق القيوميّة يكون من الوضع العام والموضوع له العام بحسب أصل المعنى ، ولكن بحسب الإطلاق منحصر فيه عزّ وجلّ . هذا إذا لم يحصل مثل هذه الألفاظ علما له عزّ وجلّ وإلا فيسقط أصل البحث ، ولعلّ أحد أسرار توقيفية أسمائه المقدّسة عدم تدخّل الجهات اللغوية والأدبية المتعارفة فيها ، لتكون بنفسها مرجعا وأصلا يرجع إليها ، لا أن يرجع فيها إلى غيرها .