السيد عبد الأعلى السبزواري
78
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التفسير قوله تعالى : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا . مادة ( ز ي غ ) تأتي بمعنى الميل عن الاستقامة ، قال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ سورة الصف ، الآية : 5 ] ، وقال تعالى : وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ [ سورة سبأ ، الآية : 12 ] . والمعنى : ربّنا لا تمل قلوبنا عن الحقّ بعد إذ هديتنا إليه . وهذا الدعاء عام لجميع ما هو حقّ من المعارف والقرآن والأحكام والمعاد ، فيشمل الشريعة الختمية بكلّياتها وجزئياتها وأصولها وفروعها . والميل عن الحقّ إما قصدي وعمدي بالاختيار ، أو نسياني لا عن اختيار ، أو اضطراري واجباري . والأوّل فيه الإثم والعقاب ، بل قد يوجب الكفر ، والأخيران لا أثر لهما ، لحكم العقل بذلك ، ولما ورد عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما اضطروا إليه » . قوله تعالى : وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . مادة ( وه ب ) بمعنى التمليك مجانا وبلا عوض ، وكلّ ما أخرج من العدم إلى الوجود من جميع الممكنات هبة منه تبارك وتعالى ، إذ لا يعقل الاستيعاض لمن هو مستغن بذاته عن غيره لذاته بالنسبة إلى غيره ، ممّا هو محتاج بذاته اليه عزّ وجلّ ، وأما قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ سورة التوبة ، الآية : 111 ] ، وقوله تعالى : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [ سورة التغابن ، الآية : 17 ] ، ففيه عناية وتلطّف في الكلام ، لا أن يكون من الاشتراء والقرض الحقيقي ، وإلا يلزم على اللّه الاستكمال ، وهو قبيح ومحال ، والرحمة : بمعنى اللطف والإحسان . والمعنى : هب لنا من عندك رحمة . وتشمل جميع النعم الدنيويّة والاخرويّة