السيد عبد الأعلى السبزواري

70

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

التشابه في القرآن : لا ريب في تحقّق التشابه وأصل حدوثه في الجملة بالنسبة إلى الأمة في القرآن ، ولا مجال لإنكار ذلك . كما لا شك أنه في معرض الزوال بالرجوع إلى الراسخ في العلم وإلى المحيط بالسنّة المقدّسة ، التي هي مبيّنة لمتشابهات القرآن ، أو بردّ الآيات المتشابهة إلى المحكمات منها ، كما في الآية المباركة فحينئذ لا يبقى موضوع للتشابه الدائمي في القرآن . نعم ، أصل حدوثه في القرآن ممّا لا ينكر ، قال تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . فما عن بعض من إنكار أصل التشابه في القرآن تمسّكا بقوله تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [ سورة آل عمران ، الآية : 138 ] ، وقوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [ سورة النحل ، الآية : 89 ] ، وغيرهما من الآيات . غير صحيح ، لما مرّ في الآية المباركة مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، بل يدلّ على ذلك وجدان أهل المحاورة ، لأنهم يفرّقون بالفطرة بين الدلالة في قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ سورة الأنعام ، الآية : 94 ] ، وبين الدلالة في قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ سورة الفجر ، الآية : 22 ] ، إلى غير ذلك من الآيات المباركة . وأما ما استدل به من الآيات الشريفة ، ففيه أن كون الكتاب بمجموعه مشتملا على تبيان كلّ شيء ، أو أنه بيان للناس ، لا ينافي وجود بعض المتشابهات بعد صيرورتها تبيانا إن ردّت إلى المحكمات . نعم ، لو أراد إنكار دوام التشابه في القرآن لا أصل حدوثه ، فهو صحيح لأن القرآن قانون دائمي نوعي إلى يوم القيامة ، ولا وجه لوقوع التشابه الدائمي فيه ، خصوصا بعد أن أمرنا بردّ المتشابه إلى المحكم ثم الاستفادة منه .