السيد عبد الأعلى السبزواري

6

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وفيها ذكر خلق عيسى عليه السّلام الذي يشبه خلق آدم عليه السّلام ، وإنكار كثير من أفعال اليهود والنصارى ، والردّ على مزاعمهم في أنبياء اللّه تعالى . ويبيّن اللّه تعالى فيها حقائق دينيّة وأمورا عامّة ، تجلب السعادة لهم في الدنيا والآخرة ، ويدفع بها شبهات المعاندين وتلبيس الكافرين ، وقد أثبت لنفسه مهام الصفات العليا وما يستلزم في تدبير ملكه وتوليته لأمور المؤمنين وإحاطته بالكافرين ، وأنهى سبحانه وتعالى هذه السورة بالدعاء . ومن وحدة الأسلوب والغرض يستفاد أنها نزلت دفعة واحدة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وقد أعدّ العدّة لمواجهة الأخطار المحدقة بالدين من المشركين وأهل الكتاب . ويكفي في عظمة هذه السورة المباركة أنها ابتدأت بالتوحيد وأمهات الصفات ( الحي والقيوم ) ، واختتمت بالأمر بالصبر والمصابرة والتقوى والوعد بالفلاح ، فجمعت بين المبدأ والمعاد بأحسن أسلوب يأخذ بقلوب العباد ، فقد جمع اللّه تعالى بها بين التوحيد والنبوّة والمعاد ومراتب تكامل النفس وبدء الطبيعيّات من اللّه وسيرها إليه جلّ جلاله وبين القصة والاحتجاج والبرهان . كلّ ذلك ينبئ عن عظمة الحكيم الحنّان . وسمّيت هذه السورة بسورة الاصطفاء أيضا ، لأن فيها قوله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [ سورة آل عمران ، الآية : 33 ] . وفي الآيات المتقدّمة براعة الاستهلال تتضمّن خلاصة ما يذكر في هذه السورة المباركة ، فقد أثبت سبحانه وتعالى مهام صفاته العليا وأورد عزّ وجلّ ذكر الكتب الإلهيّة ، وحذّر الكافرين عن أفعالهم وأوعدهم بالعذاب الشديد ، ثم ذكر ما هو بمنزلة العلّة لما ورد في المقدّمة . وأرشد المؤمنين إلى تذكّر آلاء اللّه تعالى وصفاته العليا ، التي بها يدوم العالم وينتظم نظام الخلق . فهذه الآيات اشتملت على أصول المعارف الإلهيّة ، أما التوحيد فقوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وأما النبوّة فقوله تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، وأما المعاد ببقية الآيات المباركة .