السيد عبد الأعلى السبزواري

337

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الرابع : أن قوله تعالى : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، يدلّ على أن للشاهدين منزلة كبرى ودرجة عظمى من بين الناس ، سواء في الدنيا أم في الآخرة ، حيث إن كلّ مؤمن إنما يطلب أن يكون مع الشاهدين ، قال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [ سورة المائدة ، الآية : 83 ] ، فالشاهد هو الحجّة على الخلق ، سواء كانت شهادته على التبليغ أم كانت على أعمال الخلق أو سائر الأمة . والشاهد هو الذي بلغ من التقوى درجة عليا ، ومن الإيمان منزلة كبرى حتّى اختاره اللّه تعالى لدرجة الشهادة ، وهو الكامل الذي له الشهادة على الناقص ، كما نشاهده في الطبيعيّات أيضا ، وقد تقدّم في قوله تعالى : يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ سورة البقرة ، الآية : 143 ] ، بعض الكلام . الخامس : يدلّ قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . أن كلّ مكر في دين اللّه يترتب عليه الجزاء لا محالة ، سواء في الدنيا أم في الآخرة ، ومكره تعالى أشدّ وأقوى من غيره ، ومع ذلك فهو يفعل وفق الحكمة المتعالية ، وبه يصل المحسن إلى إحسانه والمسئ إلى نكال أعماله ، ولذا كان في مكره كمال العناية بخلقه واللطف بعباده ، ويظهر ذلك بوضوح في مكره عزّ وجلّ باليهود الّذين أرادوا قتل المسيح وصلبه ، فرفعه اللّه تعالى من بين أيديهم وحفظه وحفظ المؤمنين ودينه من الضياع ، لئلا تذهب جميع أتعابه سدى . السادس : يدلّ قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ، على أن لعيسى بن مريم عليهما السّلام شأنا من بين الأنبياء ، فقد أخذه من عالم الأرض الذي كثر فيه الفساد واستولى على أهله العصيان والكفران ورفعه إلى السماء ، التي هي محلّ القدس والقديسين ، ولعلّ السرّ في ذلك أن عيسى عليه السّلام خلق من مادة أرضيّة متكوّنة من مريم العذراء ومادة ملكوتيّة هي نفخة جبرائيل ، وتجاذبت المادتان فالأولى تجذب عيسى إلى عالمها ، والثانية كذلك ، وغلبت الثانية ورفعت عيسى عليه السّلام إلى السماء إلا أن الأولى أوقفت هذا الرفع العلوي في السماء الرابعة ، ولو لم تكن هذه لرفع