السيد عبد الأعلى السبزواري

333

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الأمور تحت قدرة اللّه تعالى وإرادته المقدّسة ، وأنه إذا أراد شيئا يتحقّق ولا يقف دونها شيء ، وإن كان خلاف العادة في عالم الأسباب والمسبّبات . ويستفاد من قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ ، ترتب الكون على الأمر من دون أن يتخلّف عن ذلك بلا احتياج إلى سبب معين . ولكن الآية الشريفة لا تدلّ على انتفاء التدريج ، إذ أن جميع الموجودات مخلوقة بإرادته التكوينيّة ، سواء كانت من التدريجيّات أم لم تكن ، والتدرّج إنما يلاحظ بالنسبة إلى الأسباب ، وأما إذا لوحظ بالقياس إلى أمر اللّه فلا تدريج ولا مهلة . وإنما عبّر سبحانه وتعالى بالفعل المضارع : ( كن فيكون ) ، مع أن الأمر كان في الماضي لتصوير ذلك الأمر تصوير مشاهدة وتجسيم في أذهان المخاطبين ، كأنه واقع الآن ، ولأن المضارع أظهر في التحقّق والثبوت . وقوله تعالى : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ يدلّ على وجه الشبه بين عيسى وآدم عليهما السّلام في أنهما خلقا على خلاف العادة ، ويحتمل أن يكون المراد به أن آدم عليه السّلام في الخلق أغرب وأعظم ، ومع ذلك لم يدع أحد الالوهيّة فيه ، يكون أقطع للخصم وأحسم للشبهة . قوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . تأكيد لما ذكر في الآيات السابقة من قصص عيسى عليه السّلام في أنها الحقّ وليست قابلة للافتراء والتشكيك ، كما تدلّ الآية المباركة على أن الحقّ منحصر به تبارك وتعالى ، وما سوى ذلك من الباطل . وفي الآية الشريفة إيماء إلى أن جميع ما أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هو الحقّ ، وهو على الحقّ أيضا كما تقدّم مكررا . وإنما ذكر سبحانه وتعالى : مِنْ رَبِّكَ ، للدلالة على أن الحقّ منه دون غيره ، وإليه ينتهي كلّ شيء ، لفرض أنه المبدأ والمعاد . وقوله تعالى : فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يدلّ على أن ما ذكره اليهود