السيد عبد الأعلى السبزواري
297
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الآية : 17 ] ، ويشبه خلق عيسى خلق آدم عليه السّلام ، فإنه وجد من نفخ اللّه تعالى فيه ، وسيأتي تفصيل الكلام في سورة مريم إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ . عطف على ( وجيها ) كبقية الأحوال التي وردت لبيان المقامات المعنويّة والكمالات الحقيقيّة لعيسى بن مريم عليه السّلام . والكتاب يمكن أن يكون من قبيل ذكر العام قبل الخاص ، والمجمل قبل المفصّل ، إعلاما بشأن الكتاب وتثبيتا لدرجته ، وبيان أهمية الخاص . ويمكن أن يكون المراد به كلّيات أسرار القضاء والقدر الثابتة في العلم الأزلي مع إحاطته عزّ وجلّ بتمام الجزئيات إحاطة واقعيّة حقيقيّة . وتقدّم معنى الحكمة ، وذكرنا أن المراد بها الحقائق التي تكون نافعة للإنسان اعتقادا وعملا ولها دخل في سعادته في الدارين . والتوراة هي الكتاب الذي نزل على موسى بن عمران عليه السّلام في الميقات ، وهي تتضمّن التشريعات التي شرّعها اللّه تعالى لموسى عليه السّلام . والإنجيل هو الكتاب المنزل على عيسى بن مريم ، ومعناه في اليونانيّة القديمة التعليم ، وقيل معناه البشارة . وإنما ذكر عزّ وجلّ الإنجيل لأنه كان موعودا به عند الأنبياء ومعلوما لديهم . وأما الأناجيل الأربعة المعروفة عند النصارى ، فقد كتبت بعد المسيح بعدّة قرون ، وأما التوراة فقد تناولتها يد التحريف ، كما تدلّ عليه آيات كثيرة من القرآن الكريم ، وإن كان يصدقها في بعض الأحكام . ويختلف التوراة عن الإنجيل في أن الأولى تشتمل على الأحكام الإلهيّة والإنجيل يتضمّن على النواسخ وبعض الأحكام الإثباتية ، قال تعالى : وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [ سورة الزخرف ، الآية : 63 ] ، وقال تعالى : وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ سورة المائدة ، الآية : 46 - 47 ] ، وقد تقدّم في أوّل هذه السورة بعض الكلام فيهما .