السيد عبد الأعلى السبزواري
295
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ . أي : أن اللّه تعالى قضى أن يفعل كذلك ويرزقك المولود خلاف العادة المقدّرة ، وهو أمر محتوم لا يقبل التغيير والتبديل ، لا يعجزه شيء . وبهذا الكلام تحقّق المقصود ورفع التردد والتعجّب الحاصلين لمريم عليها السّلام . وإنما عبّر سبحانه وتعالى في المقام بالخلق ، وفي قصة زكريا بالفعل ، لأن المقام على خلاف العادة ولا ينطبق على الأسباب المعروفة ، لذا عبّر عزّ وجلّ بالخلق ، وهو الإبداع والإيجاد ، فهو يشبه الأمور المبتدأة ، ومثل هذا التعبير شائع في خلق الأمور بغير الأسباب العادية ، قال تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما [ سورة السجدة ، الآية : 4 ] ، بخلاف قصة زكريا ، فإن إيجاد يحيى كان من الزوجين ، كما في سائر الناس ، ولكن فيه الآية لهما بخلاف غيره كما عرفت ، ولذا عبّر عنه بالفعل . قوله تعالى : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . أي : إذا أراد شيئا لا مرد له ، فإنما يقول له : ( كن فيكون ) من دون تخلّف بين الإرادة والمراد ، وقد تقدّم الكلام في قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ سورة البقرة ، الآية : 117 ] ، وقلنا إنّ الجملة تدلّ على كمال قدرته ونفوذ مشيئته ، كما أنها تدلّ على سرعة نفوذ إرادته ، وعدم وجود أي صعوبة وعسر في تنفيذها . ثم إنّ هذه الجملة المباركة : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ مذكورة في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم ، وفي بعضها : إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ سورة يس ، الآية : 82 ] ، وهي كناية عن كمال الإحاطة والقدرة التامّة من دون احتياج إلى سبب آخر غير قضائه تعالى وإرادته ، وأنه لا يعجزه شيء ، ولا ينافي ذلك توقّف نظام التكوين على قانون الأسباب والمسبّبات ثم انتهاؤها إلى القدرة الأزليّة ، لأن مقتضياتها إما أن تكون جارية على الأسباب والمسبّبات وهو الغالب ، وإما أن تكون جارية بمجرّد القضاء الحتمي وعلى خلاف