السيد عبد الأعلى السبزواري

259

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

و ( كذلك ) في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر والتقدير كذلك ، وهو ظاهر في كونه من القضاء الحتم الذي لا يعتريه التغيير والتبديل ، ويدلّ عليه قوله تعالى في هذه القضية : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 21 ] ، كما يشهد له قوله تعالى : قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ، حيث جعل خلق يحيى مقدّرا من حين خلقه لزكريا . وجملة ( اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) في موضع التعليل ، أي : لأنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء من الأفعال الخارقة للعادة ، يخلق الولد في تلك الحالة التي يستبعدها الناس عادة ، فإن إرادته ومشيئته فوق الطبيعة ، وهي مسخّرة تحت تلك الإرادة . وإنما أتى بلفظ الجلالة للتعظيم ، ولبيان أنه الجامع لجميع الصفات الجمالية والكمالية ، القادر على كلّ شيء ، إليه تنتهي جميع العلل والأسباب . ثم إن الولادة - بخلاف الأسباب الظاهريّة - قد ذكرت في القرآن الكريم بالنسبة إلى أنبياء اللّه تعالى في موارد ثلاثة : الأوّل : إبراهيم خليل الرحمن ، قال تعالى حكاية عنه : وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ سورة هود ، 71 - 73 ] . الثاني : عيسى روح اللّه ، قال عزّ وجلّ حكاية عن مريم العذراء : قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 21 ] . الثالث : زكريا الذي دعا اللّه أن يرزقه ذرّية طيبة : قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 8 ] ، وجميع من ولد في هذه الموارد الثلاثة هم من الأنبياء الذي وهبوا أنفسهم للّه تعالى . قوله تعالى : قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً . الآية العلامة الدالّة على شيء ، ولهذه الكلمة أهمية عظمى في القرآن الكريم ،