السيد عبد الأعلى السبزواري
256
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تعالى أن يرزقه ولدا يكون له من الكرامة عند اللّه تعالى ما لمريم العذراء عنده ، بعد ما شاهد الآيات الباهرات منها ، فأوّل الشبه بينهما أن مريم وابنها آية من اللّه تعالى ، قال عزّ وجلّ : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [ سورة الأنبياء ، الآية : 91 ] ، وأن تسمية عيسى من اللّه تعالى ، قال عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [ سورة آل عمران ، الآية : 45 ] ، وأن يحيى آية منه عزّ وجلّ أيضا ، حيث كانت تسميته من عند اللّه تعالى في بدء ما بشّر به زكريا ، قال تعالى : يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 7 ] . الثاني : أن يحيى قد أوتي الكتاب والحكم وهو صبي ، قال تعالى : يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 12 ] ، وكذلك أوتي عيسى الحكم والنبوّة والكتاب في صباه ، قال تعالى حكاية عنه : قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ سورة مريم ، الآية : 30 - 31 ] . الثالث : أنهما اشتركا في الخصال الحميدة ، كالبر بالوالدين والسيادة والوجاهة ، وأنهما لم يكونا من الجبّارين ، قال سبحانه وتعالى في شأن يحيى : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 13 - 14 ] ، وقال عزّ من قائل في شأن عيسى : وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [ سورة مريم ، الآية : 32 ] . الرابع : أنهما اشتراكا في السّلام عليهما في المواطن الثلاثة المهمّة ، الولادة والموت والبعث ، قال تعالى في شأن يحيى : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [ سورة مريم ، الآية : 15 ] ، وقال عزّ وجلّ في شأن عيسى : وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [ سورة مريم ، الآية : 33 ] . ولكن يبقى الفرق بينهما أن عيسى عليه السّلام نبي من أولي العزم وصاحب شريعة ، وأن يحيى عليه السّلام كان أوّل المصدّقين به ، وذلك لأن عيسى عليه السّلام كان أسبق من يحيى في