السيد عبد الأعلى السبزواري

251

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الطبيعيّة ، ولكن أنبياء اللّه تعالى وأولياءه يعترفون بأنه لا بد أن يكون في الممكنات أمور خارقة للعادة ولنظام الطبيعة التي تكشف عن القدرة القهّارة ، فسأل ربه من تلك القدرة ، فوقع السؤال موقع الإجابة بحسب تلك القدرة الجبّارة لتسخير نواميس الطبيعة . مع أننا ذكرنا في أحد مباحثنا السابقة أن المعجزة لا تخرج عن نواميس الطبيعة وإن خفيت الأسباب عن الحواس الظاهرة . وممّا زاد في همّته قول مريم عليها السّلام له : إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ . والطمع في الدعاء وطلب النعمة إذا شوهدت من اللّه تعالى على شخص يكون على أقسام ثلاثة : الأوّل : أن يطلب النعمة لنفسه مع حبّ سلبها عن غيره . الثاني : أن يطلب مثلها لنفسه أيضا ، فإن مواهب اللّه تفيض وخزائنه لا تغيض ، ويسمّى بالغبطة . الثالث : أن يستسر بحصول النعمة له . والأوّل حسد مذموم ، والأخيران لا بأس بهما ، بل هما ممدوحان . وسؤال زكريا من أحد الأخيرين . قوله تعالى : قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً . بيان لكيفية الدعاء . والهبة بمعنى العطية ، وهي التمليك بلا عوض ، والذرّية هي النسل ، تأتي واحدة وجمعا ، ذكرا وأنثى ، وإنما أنّثت ( طيبة ) لتأنيث لفظ الذرّية . والطيب ما يستطاب فعله وخلقه بالذات ، أو بما يلائم صاحبه بما قرّره العقل والشرع ، ويقابله الخبيث ، ويقال : عيش طيب ، أي ما تسكن النفس إليه ويكون ملائما لها ، كما يقال : ماء طيب ، أي : عذب ، قال تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ سورة الأعراف ، الآية : 58 ] ، أي ما يكون البلد موافقا لنفس أهل البلد من جميع الجهات . والذرّية الطيبة هي التي تسكن إليها النفس ويستطاب أفعالها وصفاتها ،