السيد عبد الأعلى السبزواري
246
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
التقبّل الدال على القبول على الرضا بالقبول الحسن ، للدلالة على اصطفاء مريم ، لأنها هي التي وقعت مورد الرضا محرّرة للعبادة والتسليم للّه تعالى وخدمة البيت ، مع صغرها وأنوثتها ، وهذا هو الاصطفاء الذي تقدّم معناه ، ولأجل ذلك دخلت في جملة المصطفين الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة . وممّا ذكرنا يظهر أن هذه الجملة وقعت استجابة لقولها : وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ، أي مع كونها أنثى وجعلتها محرّرة فتقبّلها ربّها بقبول حسن ، ولم تكن هذه الجملة واردة لقبول تقرّب امرأة عمران بالنذر وإعطاء الثواب الأخروي ، لما عرفت من أن القبول نسب إلى مريم المنذورة المحرّرة ، وإن كانت تدلّ على قبول تقرّب امرأة عمران بالتبع والملازمة . وإنما خصّ سبحانه الربّ بالذكر ، للدلالة على رعايتها آنا بعد آن ، والعطف عليها في كلّ حال وتربيته تعالى لها . قوله تعالى : وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً . الإنبات هو التربية بما يصلح الحال وحسن النشأة ، وتعهّدها حالا بعد حال ، كما يتعهّد الزارع الزرع بالسقي ونموه . والمراد من الآية الشريفة هو حسن نشأتها وتربيتها في صلاحها وكمالها ، وتطهيرها من الرذائل الخلقيّة والخلقيّة ، والإطلاق يشمل التربية الجسديّة والروحيّة كلتيهما ، لها ولذريّتها . والجملتان متكاملتان ، إحديها تبيّن اصطفاءها ، والثانية تبيّن طهارتها وزكاتها وحسن تربيتها بما تصلح أن تكون اما لكلمة اللّه المسيح المرفوع إلى السماء ، وتقدر على أن تؤدّي الأمانة التي وقعت على كاهلها ، وتهيئتها لتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقها ، وقبول السرّ الإلهي ، فأصبحت مريم العذراء الصدّيقة الطاهرة المطهّرة المصطفاة على نساء العالمين ، وبذلك استعدّت أن تتلقّى الخطاب الملكوتي : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ .