السيد عبد الأعلى السبزواري
241
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وتحرير الولد للّه تعالى أو للأمكنة المقدّسة ، أو النفوس المحترمة ، هو التفرّغ للعبادة والعمل للآخرة ، قد كان متعارفا في الأمم القديمة ، وكانوا يعتبرون ذلك وسيلة لحفظ الولد عن الضياع والتربية الحسنة وعبادة اللّه الواحد القهّار ، فلا يتزوج ولا يعمل للدنيا . ومعنى التحرير في تلك الأزمنة كان هو تحرير الولد من قبل الأبوين ، أي : تحريره عن التبعيّة لهما والولاية عليه ، فليس لهما بعد التحرير السلطنة على الولد في استخدامه لاغراضهما ، بل هو داخل بالنذر تحت ولاية اللّه تعالى ، فلا بد من صرف خدمته في سبيله عزّ وجلّ ، إما في التفريغ لعبادته تعالى أو خدمة الأماكن المقدّسة والنفوس المحترمة ، وهذا العمل كان جائزا في الشرائع الإلهيّة السابقة ، ويعتبرون ذلك من نذر الأبرار . واللام في « لك » للتعليل ، أي لعبادتك وخدمتك ، ويدلّ قوله تعالى : ما فِي بَطْنِي ، على أنها كانت حاملا حين ما قالت هذا القول ، وكان الحمل من عمران ، كما تدلّ الآية على أنها كانت تعتقد أن ما في بطنها ذكرا لا أنثى ، فإن كلامها على نحو البت والجزم ، لا نحو التعليق . وتذكير ( محرّرا ) لا يدلّ على كونها نذرت ما في بطنها كائنا من كان - ذكرا أو أنثى - وإلا لما كان وجه لتحسّرها وحزنها كما حكى عنها عزّ وجلّ : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ، ولما كان معنى لقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى . وحكاية اللّه تعالى هذه المناجاة عنها تدلّ على أنها لم تكن من غير فكر وجزافا ، أو كان لأجل الظن الحاصل عن العادة المتّبعة في تلك الأعصار ، بل أنها تدلّ على أنها تنتهي إما إلى إلهام من اللّه تعالى إليها ، أو غاية العبوديّة والإخلاص منها للّه تعالى ونهاية الانقطاع له عزّ وجلّ ، وعلى كلّ منهما ، فهي تدلّ على كون هذه المرأة كاملة وأنها من الأبرار الصالحات ، وفي ذلك سرّ إلهي يدلّ على تحقّق العبوديّة للّه تعالى في جدّة عيسى وأمه ونفسه ، فتفخر الجدّة بأنها نذرت ما في