السيد عبد الأعلى السبزواري

214

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ سورة يوسف ، الآية : 108 ] ، فإن سبيله الدعوة إلى اللّه عن بصيرة وعلم ، والإخلاص له ونبذ كلّ ما يشغله عنه عزّ وجلّ ، ومن كان متّبعا له صلّى اللّه عليه وآله ، لا بد أن يكون كذلك . وهذا هو أفضل مراتب الحبّ وكلّ ما أزداد الشخص عرفانا باللّه العظيم ، ازداد محبّة له عزّ وجلّ . وهو ذو مراتب متفاوتة ، آخرها الفناء فيه ثم البقاء به ، ولا يحصل إلا بمتابعة سيد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله ، والجامع بين جميع تلك المراتب هو الحبّ للّه ، وفي اللّه ، وكلّ ما كان الحبّ أشدّ كانت السعادة أتمّ وأعظم . وهذا هو الدين الخالص الذي أمرنا به ، وهو الدين الذي يندب إليه الأنبياء العظام ، وقد وصفه تعالى بالخضوع والتسليم والإخلاص في كتابه المجيد ، فقال جلّت عظمته : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ سورة آل عمران ، الآية : 19 ] ، وقال تعالى : أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [ سورة الزمر ، الآية : 3 ] ، وهو الذي تدعو إليه الفطرة ، قال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ سورة الروم ، الآية : 30 ] ، ولأجل ذلك عقّب سبحانه وتعالى بأنّ محبّة العبد للّه لا تتحقّق إلا باتباع هذه الشريعة التي تضمّنت جميع أسباب المحبّة له عزّ وجلّ . ومن ذلك يظهر أن ذكر الآية الشريفة بعد نهي اللّه سبحانه وتعالى موادّة الكفّار والمشركين أن الاتباع لهذه الشريعة لا يحصل إلا بنبذ تولّي الكفّار ، وأنه مع محبّة اللّه أمران متضادان لا يجتمعان في قلب امرئ ، وممّا يؤكّد ذلك قوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [ سورة الجاثية ، الآية : 18 - 19 ] ، فإن المستفاد منه أن ولاية اللّه إنما تثبت للمتّقين المطيعين للّه والرسول والمتّبعين شريعته ، وغيرهم خارجون عن ولايته تعالى ، التي لا تحصل إلا بحبّ اللّه عزّ وجلّ ونبذ كلّ ما يوجب الخروج عنه .