السيد عبد الأعلى السبزواري

212

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ومنها : أنه يوجب التحلّي ببعض مكارم الأخلاق ، كالرضا به تعالى لانحصار الأسباب فيه عزّ وجلّ ، والتوكّل عليه ، فإن القدرة إذا انحصرت في واحد انقطع الرجاء عن غيره . ومنها : أنه يوجب التخلّي عن جملة من الأخلاق الذميمة ، كالحرص في طلب الدنيا - بل يطلبها من حيث ما أمره اللّه تعالى - والحسد على الأمثال والأقران ، لفرض استناد الكلّ إلى المدبّر الحكيم ، وغير ذلك من محاسن الأخلاق ، ولعلّ ذلك من أحد أسباب تكرار هذه الجملة المباركة . قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي . الآية الشريفة من روائع الآيات التي تخاطب الضمير الإنساني بأسلوب لطيف ، فقد بدأت بالخطاب مع أشرف خلقه ، واسطة الفيض ومظهر الحبّ الإلهي ومن تجلّت فيه المعارف الربوبيّة ، ومن هو قطب رحى الوجود ومكارم الأخلاق ، تستمد منه الأرواح . ثم في تقديم حبّ اللّه تعالى والوعد بالغفران وإثبات الرحمة والمبالغة في المغفرة والوعد بأكمل الكمالات الإنسانيّة ، وهو محبّته تعالى التي بلغت في الجمال والجلال ما لا يمكن دركها بأي مشعر من المشاعر ، بل لا يدانيها من الجذبة الأحدية للذات المحمّديّة حتّى يظهر الحال . فالآية الشريفة جذبة روحانيّة تدفع الغفلة عن الإنسان ، وترفع عنه الضلالة والخسران ، ومن عجيب الأمر دعوة الحنّان القدير القهّار المقتدر الفعّال لعبده الضعيف إلى محبّته ، وإخراجه من الظلمات إلى النور ، وهو مع ذلك يمتنع عنه ، فسبحان من كان خيره إلينا نازلا ، وشرّنا إليه صاعدا ، وهو مالك قادر على يشاء ، فعال لما يريد . وتقدّم معنى الحبّ في قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ سورة البقرة ، الآية : 165 ] ، وذكرنا أنّه لا يختصّ بالإنسان ، بل يتحقّق في جميع الموجودات ، الواجب منها والممكن ، وهو من المعاني الوجدانيّة التي يدركها كلّ