السيد عبد الأعلى السبزواري

209

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

هو كالمرآة لجميع التكاليف الإلهيّة وجزاء لها ولا يضرّ الفصل الطويل ، وقيل وجوه أخرى سيأتي في البحث الأدبي نقلها . و ( ما ) في قوله تعالى : ما عَمِلَتْ موصولة تشمل جميع الأعمال ، والعائد محذوف مقدّر . و ( من ) في قوله تعالى : مِنْ خَيْرٍ بيانيّة ، والتنكير في « خير » للتعميم والشمول للجميع ، أي كلّ خير وهو يشمل جميع أنواع الخير من الاعتقاد ، أو الأقوال ، أو الأفعال ، حركة أو سكونا ، حتى الأعدام ، مثل كفّ الأذى وإماطتها عن الطريق ، وتحمّل الأذى ونحو ذلك ، نظير قوله تعالى : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [ سورة البقرة ، الآية : 110 ] ، وأمثالها من الآيات الشريفة . وكلّ نفس تشمل جميع الخلائق والعباد ، سواء كانوا من المؤمنين أم غيرهم ، إذا صدر منهم الخير ولم يصدر منهم ما يمحقه ويحبطه ، فهو محفوظ عند اللّه ، كما يدلّ قوله تعالى : وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ سورة سبأ ، الآية : 21 ] . وإنما عبّر سبحانه وتعالى بقوله : مُحْضَراً دون حاضرا ونحوه ، لبيان أن جميع الأعمال موجودة عنده محفوظة لديه ، ولكنه يعدّها اللّه تعالى ويحضّرها لخلقه المحسنين تكريما وتبجيلا لهم ، فهو تعالى يعلمها ويحفظها ويحضرها لئلا يكونوا في تسويف وبعد منال . قوله تعالى : وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً . الجملة معطوفة على قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ، أي وتجد كل نفس من العباد ما عملت من سوء وما يترتب عليه من الجزاء ، فتتمنّى النفس من شدّة الأهوال وما يتبعها من الآلام والأحزان لو أن بينها وبين هذا السوء بعدا كبيرا . والأمد هو الغاية ينتهي ما ينتهي إليها ، وجمعه آماد ، ولم يذكر هذا اللفظ في القرآن الكريم إلّا في مواضع - أربعة ، قال تعالى : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ سورة الحديد ، الآية : 16 ] ، وقال عزّ شأنه : قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما