السيد عبد الأعلى السبزواري

206

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

مع أن العلم بالكلّي يستلزم العلم بالفرد والجزئي ، خصوصا في العلم الواقعي الإحاطي الحقيقي الفعلي ، فلو كانت الشمس ذات قوة درّاكة فعليّة ، لكانت مدركة لجميع أشعتها الجزئية المنبسطة على ذرات الأشياء ، فمن ذهب من الفلاسفة إلى نفي العلم بالجزئيّات عنه تبارك وتعالى ، لأنها لا تدرك إلّا بالمدارك الجزئيّة ، وهو تعالى منزّه عنها . فهو وإن أراد التنزيه ، لكنه وقع في التعطيل ، ولعلّ هذا من أحد معاني قول علي عليه السّلام : « من أراد ما ثم هلك » ، وفي سياقه أحاديث كثيرة ، والأدلّة العقليّة شاهدة على أن المحدود لا يعقل أن يحيط بغير المحدود . وهذه الآية الكريمة مكرّرة بأساليب مختلفة في القرآن الكريم ، قال تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [ سورة البقرة ، الآية : 284 ] ، والاختلاف في تقديم المخفي والبادي في الآيتين باعتبار مناسبة الحساب للبادي ، ومناسبة العلم بالمخفي ، فقدّم سبحانه المخفي في المقام ، بخلاف الآية الواردة في سورة البقرة . أو الحمل على مراتب الإخفاء والإبداء ، فبعض مراتبهما تستحق المحاسبة ، والبعض الآخر يعفى عنه ، وإن تعلّق العلم بالجميع . ونظير المقام قوله تعالى : وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ [ سورة النمل ، الآية : 25 ] . وربما يكون الوجه في التكرار هو الاعلام بأن علمه تعالى ليس حصوليّا مستلهما من ظواهر الممكنات وصور الموجودات ، كما هو المعلوم في علم الإنسان ، ولذا قيل : « من فقد حسّا قد فقد علما » ، بل علمه عزّ وجلّ حضوري إحاطي فوق ما نتعقّله من معنى الحضور والإحاطة ، وفقر الممكن إلى اللّه عزّ وجلّ - حدوثا وبقاء - يستلزم هذا النحو من الحضور ، وكيف يخفى عليه ما هو أوجده ؟ ! ! أم كيف يغيب عنه ما هو يدبّره ؟ ! ! وفي جملة من الدعوات المأثورة : « سبحانك تعلم خطرات القلوب ولمحات العيون وضجيج الوحوش في الفلوات وأنين الحيتان في البحار الغامرات » ، ولا عجب في ذلك بالنسبة إلى القيوميّة المطلقة ، ومن يكون ما سواه كذرة ملقاة بين يديه . كما أنه يمكن أن يكون الوجه في التكرار هو استحضار الإنسان جلال ربّ