السيد عبد الأعلى السبزواري
202
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ سورة التحريم ، الآية : 6 ] . وقال عزّ شأنه : ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [ سورة رعد ، الآية : 37 ] ، وقال تعالى : وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [ سورة الطور ، الآية : 18 ] ، وعن علي عليه السّلام : « كنا إذا أحمرّ البأس اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله » ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو وقمنا خلفه واستقبلنا العدو به ، وفي الحديث : « من عصى اللّه لم تقه من اللّه واقية » . ومن هذه المادة التقوى التي هي أساس دعوة القرآن وأصل المدارج المعنويّة للإنسان ، لأنها تحفظه عن الوقوع في المحارم ، وتوقفه على الحدود الإلهيّة حتّى يصل إلى أعلى المقامات المعنويّة . كما أن منها التقية ، التي هي من الأصول النظاميّة التي شرعها الإسلام حفظا للنظام وتأليفا بين الأنام . وسيأتي أنها ترجع إلى القاعدة العقليّة التي قرّرتها الشرائع السماويّة ، وهي : « تقديم الأهمّ على المهمّ » ، فتكون التقية من القواعد العقليّة الشرعيّة . ولا ريب في جواز التقية ، بل أنها من القواعد المسلّمة لدى الجميع ، والمرتكزة في الأذهان ولا تحتاج إلى إقامة البرهان ، لأنها كما عرفت من صغريات قاعدة : « تقديم الأهمّ على المهمّ » ، التي هي من القواعد الفطريّة ، وقد قرّرتها السنّة بأساليب مختلفة ، ويكفي في مشروعيتها بل أهميتها ، ما ورد عن أهل البيت عليهم السّلام من أنها من الدين والتحريض على العمل بها وأن تاركها مخالف لأوامر اللّه سبحانه وتعالى ، ففي الحديث : « التقية تسعة أعشار الدين » ، وقد ورد في تفسير قوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ سورة الحجرات ، الآية : 13 ] ، أي أعملكم بالتقية . وغير ذلك ولعلّ الجميع مأخوذ من عموم قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ سورة البقرة ، الآية : 195 ] . ومعنى التقية هو إتيان الشيء على غير الوجه المأمور به الأولي ، لغرض مهم شرعي يترتب عليه ، وهذا المعنى يرجع إلى القاعدة العقليّة الفطريّة كما ذكرنا ، فلا