السيد عبد الأعلى السبزواري
179
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
[ سورة يونس ، الآية : 88 و 89 ] ، كما أن في التعليق على المشيئة إشارة إلى أنه تعالى غير مجبور في أفعاله ، وإن كانت تجري وفق المصلحة والحكمة التامّة . قوله تعالى : وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ . مادة ( عزز ) تأتي بمعنى المنيع الذي لا ينال ولا يغالب ولا يعجزه شيء ، فيكون صعب المنال . وبهذه العناية يطلق على الشيء النادر الوجود أنه عزيز ، وفي المأثور : « إذ أعزّ أخوك فهن » ، أي إذا غلبك ولم تقاومه ، فلن له . ومن أسمائه تعالى ( العزيز ) ، أي الغالب القوي الذي لا يغلب ولا يعجزه شيء ، كما أن من أسمائه تعالى ( المعزّ ) ، أي واهب العزّة لمن يشاء من عباده ، وقال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ سورة التوبة ، الآية : 128 ] ، أي صعب وشديد عليه ، وقال تعالى : وَعَزَّنِي [ سورة ص ، الآية : 23 ] ، أي غلبني . والعزّة والذلّة متقابلان ، فالذليل هو الذي يغلب عليه ويعجزه كلّ شيء ، سواء كان بالقهر وبلا اختيار ، كقوله تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [ سورة البقرة ، الآية : 61 ] ، وقال تعالى : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [ سورة الإنسان ، الآية : 14 ] ، وفي الحديث : « اللهم اسقنا ذلل السحاب » ، أي ما لا رعد فيه ولا برق . أم بالاختيار ، قال تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [ سورة الإسراء ، الآية : 24 ] ، وقال تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ سورة المائدة ، الآية : 54 ] ، وقال تعالى : وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [ سورة النمل ، الآية : 34 ] . ومن أسمائه تعالى : « المذل » ، أي هو الذي يلحق الذلّ بمن يشاء من عباده وينفي عنه أنواع العزّة . وهما من الأمور التشكيكيّة التي لها مراتب كثيرة ، وهما اما دنيوية أو أخروية أو هما معا ، والعزّة أعمّ من الملك ، وهي قد تكون حقيقيّة ، وهي التي يمنحها اللّه تعالى لعباده المخلصين وأوليائه المقرّبين ، قال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ سورة المنافقون ، الآية : 8 ] ، وقد تكون وهميّة خياليّة تابعة للملك