السيد عبد الأعلى السبزواري
17
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
وإنما خصّ سبحانه وتعالى تقدير الإنسان وتصويره بالذكر مع أنه له التقدير العام في جميع المخلوقات ، لكمال العناية بالإنسان ، الذي هو أعزّ خلقه وأشرفه ، فقد ذكر تعالى تصوير الإنسان في آيات أخرى ، قال تعالى : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [ سورة التغابن ، الآية : 3 ] ، وقال تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ سورة الانفطار ، الآية : 8 ] ، ولبيان كيفية خلق عيسى عليه السّلام الوارد في هذه السورة والتعريض بالنصارى في ما يقولونه فيه عليه السّلام . وقد أبدع سبحانه وتعالى في تصوير الإنسان ، ممّا يدلّ على بديع صنعه وحكمته البالغة وعلمه الأتم ، واعتنى بجميع تفاصيله اعتناء بليغا ، وأودع فيه من الحكم والأسرار وفق قوانين منظمة تعجز عقول البشر عن الوصول إلى كنهها ومعرفة دقائقها مهما بلغوا في العلم والمعرفة ، فقد كشف العلم الحديث عن بعض جوانب تلك الأسرار والحكم ممّا يبهر العقول ويجلّ عن الوصف ، فحقيق للّه تعالى أن يقول في خلق الإنسان : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 14 ] ، ويكفي جانب من تلك الجوانب وجهة من جهاته أن تكون حجّة على العباد ، وعن علي عليه السّلام : « الصورة الإنسانية أكبر حجّة للّه على خلقه ، وهي الجسر الممدود بين الجنّة والنّار » . وأما ما ورد في الحديث عن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « ان اللّه خلق آدم على صورته » ، فإن المراد صورة مخلوقة اختارها اللّه تعالى لنفسه ، وجعلها حجّة على عباده وسخّر لها ما في السماوات والأرض ، وليس المراد صورة اللّه تعالى ، لأنه يستحيل أن تكون للّه صورة كما ثبت ذلك في الفلسفة العلمية ، ويدلّ على ما ذكرناه ما ورد في الحديث يشرح هذه الرواية ، وهو أنه : « سب رجل شخصا بحضور النبي صلّى اللّه عليه وآله فقال : قبحك اللّه وقبح من على صورتك ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله : لا تقل هكذا ، فإن اللّه خلق آدم على صورته » ، أي على صورة الرجل المسبوب ، فيكون سبّه سبّا لآدم عليه السّلام وسائر الأنبياء أيضا .